تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
فيه وفي لفظ ( شيء ) ما تقدّم من الكلام على نظيره في قوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
في سورة البقرة [ 155 ] . وتنكير
بِشَيْءٍ
هنا للتنويع لا للتحقير ، خلافا للزمخشري ومن تابعه . وأشار بقوله :
تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ
إلى أنواع الصيد صغيره وكبيره . فقد كانوا يمسكون الفراخ بأيديهم وما هو وسيلة إلى الإمساك بالأيدي من شباك وحبالات وجوارح ، لأنّ جميع ذلك يؤول إلى الإمساك باليد . وكانوا يعدون وراء الكبار بالخيل والرماح كما يفعلون بالحمر الوحشية وبقر الوحش ، كما في حديث أبي قتادة أنّه : رأى عام الحديبية حمارا وحشيا ، وهو غير محرم ، فاستوى على فرسه وأخذ رمحه وشدّ وراء الحمار فأدركه فعقره برمحه وأتى به . . إلخ . وربما كانوا يصيدون برمي النبال عن قسيّهم ، كما في حديث « الموطأ » « عن زيد البهزي أنّه خرج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يريد مكّة فإذا ظبي حاقف فيه سهم » الحديث . فقد كان بعض الصائدين يختبئ في قترة ويمسك قوسه فإذا مرّ به الصيد رماه بسهم . قال ابن عطية : وخصّ الرماح بالذكر لأنّها أعظم ما يجرح به الصيد . وقد يقال : حذف ما هو بغير الأيدي وبغير الرماح للاستغناء بالطرفين عن الأوساط . وجملة
تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ
صفة للصيد أو حال منه . والمقصود منها استقصاء أنواع الصيد لئلّا يتوهّم أنّ التحذير من الصيد الذي هو بجرح أو قتل دون القبض باليد أو التقاط البيض أو نحوه . وقوله :
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ
علّة لقوله
لَيَبْلُوَنَّكُمُ
[ المائدة : 94 ] لأنّ الابتلاء اختبار ، فعلّته أن يعلم اللّه منه من يخافه . وجعل علم اللّه علّة للابتلاء إنّما هو على معنى ليظهر للناس من يخاف اللّه من كلّ من علم اللّه أنّه يخافه ، فأطلق علم اللّه على لازمه ، وهو ظهور ذلك وتميّزه ، لأنّ علم اللّه يلازمه التحقّق في الخارج إذ لا يكون علم اللّه إلّا موافقا لما في نفس الأمر ، كما بينّاه غير مرّة ؛ أو أريد بقوله :
لِيَعْلَمَ اللَّهُ
التعلّق التنجيزي لعلم اللّه بفعل بعض المكلّفين ، بناء على إثبات تعلّق تنجيزي لصفة العلم ، وهو التحقيق الذي انفصل عليه عبد الحكيم في « الرسالة الخاقانية » . وقيل : أطلق العلم على تعلّقه بالمعلوم في الخارج ، ويلزم أن يكون مراد هذا القائل أنّ هذا الإطلاق قصد منه التقريب لعموم أفهام المخاطبين . وقال ابن العربي في القبس : « ليعلم اللّه مشاهدة ما علمه غيبا من امتثال من امتثل واعتداء من اعتدى فإنّه ، عالم الغيب والشهادة يعلم الغيب أوّلا ، ثم يخلق المعدوم فيعلمه مشاهدة ، يتغيّر المعلوم ولا يتغيّر العلم » . والباء إمّا للملابسة أو