تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
[ البقرة : 219 ] نسختهما في المائدة
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
. فلا جرم كان هذا التحريم بمحلّ العناية من الشارع متقدّما للأمّة في إيضاح أسبابه رفقا بهم واستئناسا لأنفسهم ، فابتدأهم بآية سورة البقرة ، ولم يسفّههم فيما كانوا يتعاطون من ذلك ، بل أنبأهم بعذرهم في قوله :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
[ البقرة : 219 ] ، ثم بآية سورة النساء ، ثم كرّ عليها بالتحريم بآية سورة المائدة فحصر أمرهما في أنّهما رجس من عمل الشيطان ورجا لهم الفلاح في اجتنابهما بقوله :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
، وأثار ما في الطباع من بغض الشيطان بقوله :
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
. ثم قال
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
، فجاء بالاستفهام لتمثيل حال المخاطبين بحال من بيّن له المتكلّم حقيقة شيء ثم اختبر مقدار تأثير ذلك البيان في نفسه . وصيغة : هل أنت فاعل كذا . تستعمل للحثّ على فعل في مقام الاستبطاء ، نبّه عليه في « الكشاف » عند قوله تعالى :
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ
في سورة الشعراء [ 39 ] ، قال : ومنه قول تأبّط شرّا :
هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق
( دينار اسم رجل ، وكذا عبد ربّ . وقوله : أخا عون أو عوف نداء ، أي يا أخا عون ) . فتحريم الخمر متقرّر قبل نزول هذه السورة ، فإنّ وفد عبد القيس وفدوا قبل فتح مكة في سنة ثمان ، فكان ممّا أوصاهم به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أن لا ينتبذوا في الحنتم والنقير والمزفّت والدّبّاء ، لأنّها يسرع الاختمار إلى نبيذها . والمراد بالأنصاب هنا عبادة الأنصاب . والمراد بالأزلام الاستقسام بها ، لأنّ عطفها على الميسر يقتضي أنّها أزلام غير الميسر . قال في « الكشاف » : ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر مقصود منه تأكيد التحريم للخمر والميسر . وتقدّم الكلام على الخمر والميسر في آية سورة البقرة ، وتقدم الكلام على الأنصاب عند قوله تعالى :
وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
[ المائدة : 3 ] ، والكلام على الأزلام عند قوله :
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ
في أول هذه السورة [ 3 ] . وأكّد في هذه الآية تحريم ما ذبح على النصب وتحريم الاستقسام بالأزلام وهو التحريم الوارد في أوّل السورة والمقرّر في الإسلام من أوّل البعثة . والمراد بهذه الأشياء الأربعة هنا تعاطيها ، كلّ بما يتعاطى به من شرب ولعب وذبح