تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
هذا أوان الشّدّ فاشتدّي زيم * قد لفّها الليل بسوّاق حطم ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزّار على ظهر وضم باتوا نياما وابن هند لم ينم * بات يقاسيها غلام كالزّلم خدلّج الساقين خفّاق القدم ثم أقبل الحطم في العام القابل وهو عام القضية فسمعوا تلبية حجّاج اليمامة فقالوا : هذا الحطم وأصحابه ومعهم هدي هو ممّا نهبه من إبل المسلمين ، فاستأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في نهيهم ، فنزلت الآية في النهي عن ذلك . فهي حكم عامّ نزل بعد تلك القضية ، وكان النهي عن التعرّض لبدن الحطم مشمولا لما اشتملت عليه هذه الآية . والبيت الحرام هو الكعبة . وسيأتي بيان وصفه بهذا الوصف عند قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
[ المائدة : 97 ] في هذه السورة . وجملة
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ
صفة ل
آمِّينَ
من قصدهم ابتغاء فضل اللّه ورضوانه وهم الذين جاءوا لأجل الحجّ إيماء إلى سبب حرمة آمّي البيت الحرام . وقد نهى اللّه عن التعرّض للحجيج بسوء لأنّ الحجّ ابتغاء فضل اللّه ورضوانه ، وقد كان أهل الجاهلية يقصدون منه ذلك ، قال النابغة :
حيّاك ربّي فإنّا لا يحلّ لنا * لهو النساء وإنّ الدّين قد عزما
مشمّرين على خوص مزمّمة * نرجو الإله ونرجو البرّ والطعما
ويتنزّهون عن فحش الكلام ، قال العجّاج :
وربّ أسراب حجيج كظّم * عن اللّغا ورفث التكلّم
ويظهرون الزهد والخشوع ، قال النابغة :
بمصطحبات من لصاف وثبرة * يزرن إلالا سيرهنّ التّدافع
عليهنّ شعث عامدون لربّهم * فهنّ كأطراف الحنيّ خواشع
ووجه النّهي عن التعرّض للحجيج بسوء وإن كانوا مشركين : أنّ الحالة التي قصدوا فيها الحجّ وتلبّسوا عندها بالإحرام ، حالة خير وقرب من الإيمان باللّه وتذكّر نعمه ، فيجب أن يعانوا على الاستكثار منها لأنّ الخير يتسرّب إلى النفس رويدا ، كما أن الشرّ يتسرّب إليها كذلك ، ولذلك سيجيء عقب هذه الآية قوله :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
.