إنّ موضع هذه الآية في هذه السورة معضل ، فإنّ سورة المائدة من آخر السور نزولا إن لم تكن آخرها نزولا ، وقد بلّغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الشريعة وجميع ما أنزل إليه إلى يوم نزولها ، فلو أنّ هذه الآية نزلت في أوّل مدّة البعثة لقلنا هي تثبيت للرسول وتخفيف لأعباء الوحي عنه ، كما أنزل قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[ الحجرات : 94 ، 95 ] وقوله :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
- إلى قوله -
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
[ المزمل : 5 - 10 ] الآيات ، فأمّا وهذه السورة من آخر السور نزولا وقد أدّى رسول اللّه الرسالة وأكمل الدّين فليس في الحال ما يقتضي أن يؤمر بتبليغ ، فنحن إذن بين احتمالين :
أحدهما : أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاصّ اقتضى إعادة تثبيت الرسول على تبليغ شيء ممّا يثقل عليه تبليغه .
وثانيهما : أن تكون هذه الآية نزلت من قبل نزول هذه السورة ، وهو الّذي تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها .
فأمّا هذا الاحتمال الثّاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية بقيت سنين غير ملحقة بسورة ، ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها ، وبذلك تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول الّتي تذكر حوادث كلّها حصلت في أزمان قبل زمن نزول هذه السورة . وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك ، وذكر الطبري خبرين آخرين ، فصارت اثني عشر قولا .
وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال : إنّ هذه الروايات وإن كثرت فإنّ الأولى حمل الآية على أنّ اللّه آمنه مكر اليهود والنّصارى ، لأنّ ما قبلها وما بعدها كان كلاما مع اليهود والنّصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين فتكون أجنبية عمّا قبلها وما بعدها اه . وأمّا ما ورد في الصّحيح أنّ رسول اللّه كان يحرس حتّى نزل
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
فلا يدلّ على أنّ جميع هذه الآية نزلت يومئذ ، بل اقتصر الراوي على جزء منها ، وهو قوله :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
فلعلّ الّذي حدّثت به عائشة أنّ اللّه أخبر رسوله بأنّه عصمه من النّاس فلمّا حكاه الراوي حكاه باللّفظ الواقع في هذه الآية .
فتعيّن التعويل على الاحتمال الأوّل : فإمّا أن يكون سبب نزولها قضية ممّا جرى