والمثوبة مشتقّة من ثاب يثوب ، أي رجع ، فهي بوزن مفعولة ، سمّي بها الشيء الّذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عمل عمله أو سعي سعاه ، وأصلها مثوب بها ، اعتبروا فيها التّأنيث على تأويلها بالعطيّة أو الجائزة ثمّ حذف المتعلّق لكثرة الاستعمال .
وأصلها مؤذن بأنّها لا تطلق إلّا على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله معه ، فلا تطلق على الضّرب والشتم لأنّ ذلك ليس ممّا يثوب به المرء إلى منزله ، ولأنّ العرب إنّما يبنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم لنزيلهم ، فلا يريدون بالمثوبة إلّا عطية نافعة .
ويصحّ إطلاقها على الشيء النّفيس وعلى الشيء الحقير من كلّ ما يثوب به المعطى .
فجعلها في هذه الآية تمييزا لاسم الزيادة في الشرّ تهكّم لأنّ اللّغة والغضب والمسخ ليست مثوبات ، وذلك كقول عمرو بن كلثوم :
قريناكم فعجّلنا قراكم * قبيل الصبح مرداة طحونا
وقول عمرو بن معد يكرب :
وخيل قد دلفت لها بخيل * تحيّة بينهم ضرب وجيع
وقوله :
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
مبتدأ ، أريد به بيان من هو شرّ مثوبة . وفيه مضاف مقدّر دلّ عليه السياق . وتقديره : مثوبة من لعنه اللّه . والعدول عن أن يقال : أنتم أو اليهود ، إلى الإتيان بالموصول للعلم بالمعنيّ من الصلة ، لأنّ اليهود يعلمون أنّ أسلافا منهم وقعت عليهم اللّعنة والغضب من عهد أنبيائهم ، ودلائله ثابتة في التّوراة وكتب أنبيائهم ، فالموصول كناية عنهم .
وأمّا جعلهم قردة وخنازير فقد تقدّم القول في حقيقته في سورة البقرة . وأمّا كونهم عبدوا الطاغوت فهو إذ عبدوا الأصنام بعد أن كانوا أهل توحيد فمن ذلك عبادتهم العجل .
والطاغوت : الأصنام ، وتقدّم عند قوله تعالى :
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
في سورة النّساء [ 51 ] .
وقرأ الجمهور
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
بصيغة فعل المضيّ في
عَبَدَ
وبفتح التّاء من
الطَّاغُوتَ
على أنّه مفعول
عَبَدَ
، وهو معطوف على الصّلة في قوله
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
، أي ومن عبدوا الطاغوت . وقرأه حمزة وحده - بفتح العين وضمّ الموحّدة وفتح الدّال وبكسر الفوقيّة من كلمة الطاغوت - على أن « عبد » جمع عبد ، وهو جمع سماعي قليل ، وهو على هذه القراءة معطوف على
الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
.