وجملة
فِيهِ هُدىً وَنُورٌ
حال . وتقدّم معنى الهدى والنّور .
و
مُصَدِّقاً
حال أيضا من الإنجيل فلا تكرير بينها وبين قوله
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً
لاختلاف صاحب الحال ولاختلاف كيفية التّصديق ؛ فتصديق عيسى التّوراة أمره بإحياء أحكامها ، وهو تصديق حقيقي ؛ وتصديق الإنجيل التّوراة اشتماله على ما وافق أحكامها فهو تصديق مجازي . وهذا التّصديق لا ينافي أنّه نسخ بعض أحكام التّوراة كما حكى اللّه عنه
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
[ آل عمران : 50 ] ، لأنّ الفعل المثبت لا عموم له .
والموعظة : الكلام الّذي يلين القلب ويزجر عن فعل المنهيات .
وجملة
وَلْيَحْكُمْ
معطوفة على
آتَيْناهُ
. وقرأ الجمهور
وَلْيَحْكُمْ
- بسكون اللّام وبجزم الفعل - على أنّ اللام لام الأمر . ولا شكّ أنّ هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام ، فهو ممّا أمر اللّه به الّذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنّصارى ، فعلم أنّ في الجملة قولا مقدّرا هو المعطوف على جملة
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ
، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصّفات العظيمة ، وقلنا : ليحكم أهل الإنجيل ، فيتمّ التّمهيد لقوله بعده
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
، فقرائن تقدير القول متظافرة من أمور عدّة .
وقرأ حمزة - بكسر لام -
لْيَحْكُمْ
ونصب الميم - على أنّ اللام لام كي للتّعليل ، فجملة
لْيَحْكُمْ
على هذه القراءة معطوفة على قوله
فِيهِ هُدىً
إلخ ، الّذي هو حال ، عطفت العلّة على الحال عطفا ذكريا لا يشرّك في الحكم لأنّ التّصريح بلام التّعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى .
وصاحب « الكشاف » قدّر في هذه القراءة فعلا محذوفا بعد الواو ، أي وآتيناه الإنجيل ، دلّ عليه قوله قبله
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ
، وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام .
والمراد بالفاسقين الكافرون ، إذ الفسق يطلق على الكفر ، فتكون على نحو ما في الآية الأولى . ويحتمل أنّ المراد به الخروج عن أحكام شرعهم سواء كانوا كافرين به أم كانوا معتقدين ولكنّهم يخالفونه فيكون ذمّا للنصارى في التّهاون بأحكام كتابهم أضعف من ذمّ اليهود .
[ 48 ]