إلى ملك كاد الجبال لفقده * تزول زوال الراسيات من الصخر
أي وقاربت الراسيات الزوال إذ الخوف إنّما يكون عند مقاربة الموت لا بعد الموت . فالمعنى : لو شارفوا أن يتركوا ذرّيّة ضعافا لخافوا عليهم من أولياء السوء .
والمخاطب بالأمر من يصلح له من الأصناف المتقدمة : من الأوصياء ، ومن الرجال الذين يحرمون النساء ميراثهن ، ويحرمون صغار إخوتهم أو أبناء إخوتهم وأبناء أعمامهم من ميراث آبائهم ، كلّ أولئك داخل في الأمر بالخشية ، والتخويف بالموعظة ، ولا يتعلّق هذا الخطاب بأصحاب الضمير في قوله :
فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ
[ النساء : 8 ] لأنّ تلك الجملة وقعت كالاستطراد ، ولأنّه لا علاقة لمضمونها بهذا التخويف .
وفي الآية ما يبعث الناس كلّهم على أن يغضبوا للحقّ من الظلم ، وأن يأخذوا على أيدي أولياء السوء ، وأن يحرسوا أموال اليتامى ويبلغوا حقوق الضعفاء إليهم ، لأنّهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك ، وأن يأكل قويّهم ضعيفهم ، فإنّ اعتياد السوء ينسي الناس شناعته ، ويكسب النفوس ضراوة على عمله . وتقدّم تفسير الذرّيّة عند قوله تعالى :
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
في سورة آل عمران [ 34 ] .
وقوله :
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
فرّع الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين : لأنّ الأمر الأول لمّا عضّد بالحجّة اعتبر كالحاصل فصحّ التفريع عليه ، والمعنى : فليتقوا اللّه في أموال الناس وليحسنوا إليهم القول .
[ 10 ]
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 10 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ( 10 )
جملة معترضة تفيد تكرير التحذير من أكل مال اليتامى ، جرّته مناسبة التعرّض لقسمة أموال الأموات ، لأنّ الورثة يكثر أن يكون فيهم يتامى لكثرة تزوّج الرجال في مدّة أعمارهم ، فقلّما يخلو ميّت عن ورثة صغار ، وهو مؤذن بشدّة عناية الشارع بهذا الغرض ، فلذلك عاد إليه بهذه المناسبة .
وقوله :
ظُلْماً
حال من
يَأْكُلُونَ
مقيّدة ليخرج الأكل المأذون فيه بمثل قوله :
وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
[ النساء : 6 ] ، فيكون كقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ النساء : 29 ] .