تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
ذلك بهوت ، وجمعه : بهت وبهت . وقد زيّن اليهود ما شاءوا في الإفك على مريم - عليها السلام - . أمّا قولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ، فمحلّ المؤاخذة عليهم منه : هو أنّهم قصدوا أن يعدّوا هذا الإثم في مفاخر أسلافهم الراجعة إلى الإخلاف بالعهد المبيّن في سبيل نصر الدين . والمسيح كان لقبا لعيسى - عليه السلام - لقّبه به اليهود تهكّما عليه : لأنّ معنى المسيح في اللغة العبرية بمعنى الملك ، كما تقدّم في قوله تعالى :
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
في سورة آل عمران [ 45 ] ، وهو لقب قصدوا منه التهكّم ، فصار لقبا له بينهم . وقلب اللّه قصدهم تحقيره فجعله تعظيما له . ونظيره ما كان يطلق بعض المشركين على النبي محمّد صلى اللّه عليه وسلم اسم مذمّم ، قالت امرأة أبي لهب : مذمّما عصينا ، وأمره أبينا . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ألا تعجبون كيف يصرف اللّه عنّي شتم قريش ولعنهم ، يشتمون ويلعنون مذمّما وأنا محمد « 1 » . وقوله :
رَسُولَ اللَّهِ
إن كان من الحكاية : فالمقصود منه الثناء عليه والإيمان إلى أنّ الذين يتبجّحون بقتله أحرياء بما رتّب لهم على قولهم ذلك ، فيكون نصب
رَسُولَ اللَّهِ
على المدح ، وإن كان من المحكي : فوصفهم إيّاه مقصود منه التهكّم ، كقول المشركين للنبي صلى اللّه عليه وسلم
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
[ الحجر : 6 ] وقول أهل مدين لشعيب
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
[ هود : 87 ] فيكون نصب « رسول اللّه » على النعت للمسيح . وقوله
وَما قَتَلُوهُ
إلخ الظاهر أنّ الواو فيه للحال ، أي قولهم ذلك في حال أنّهم ما قتلوه ، وليس خبرا عن نفي القتل لأنّه لو كان خبرا لاقتضى الحال تأكيده بمؤكّدات قويّة ، ولكنّه لمّا كان حالا من فاعل القول المعطوف على أسباب لعنهم ومؤاخذتهم كانت تلك الأسباب مفيدة ثبوت كذبهم ، على أنّه يجوز كونه خبرا معطوفا على الجمل المخبر بها عنهم ، ويكون تجريده من المؤكّدات : إمّا لاعتبار أنّ المخاطب به هم المؤمنون ، وإمّا لاعتبار هذا الخبر غنيّا عن التأكيد ، فيكون ترك التأكيد تخريجا على خلاف مقتضى الظاهر ، وإمّا لكونه لم يتلقّ إلّا من اللّه العالم بخفيّات الأمور فكان أعظم من أن يؤكّد . وعطف
وَما صَلَبُوهُ
لأنّ الصلب قد يكون دون القتل ، فقد كانوا ربما صلبوا
هامش
( 1 ) عن أبي هريرة في « صحيح البخاري » في باب ما جاء في أسماء النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من كتاب المناقب .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 305 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور