تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
إليها القرآن في قوله :
مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ
[ النساء : 25 ] ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معيّنة ، وهو الذي ذكر اللّه النهي عنه بقوله :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ النور : 33 ] وهنالك معاشرات أخرى ، مثل الضماد وهو أن تتّخذ ذات الزوج رجلا خليلا لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها . فلأجل ذلك سمّى اللّه الصداق نحلة ، فأبعد الذين فسّروها بلازم معناها فجعلوها كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات ، والذين فسروها بأنّها عطية من اللّه للنساء فرضها لهنّ ، والذين فسّروها بمعنى الشرع الذي ينتحل أي يتّبع . وقوله :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً
الآية أي فإن طابت أنفسهنّ لكم بشيء منه أي المذكور . وأفرد ضمير « منه » لتأويله بالمذكور حملا على اسم الإشارة كما قال رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق
فقال له أبو عبيدة : إمّا أن تقول : كأنّها إن أردت الخطوط ، وإما أن تقول : كأنّهما إن أردت السواد والبلق فقال : أردت كأنّ ذلك ، ويلك ! ! أي أجرى الضمير كما يجرى اسم الإشارة . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
في سورة البقرة [ 68 ] . وسيأتي الكلام على ضمير
( مِثْلَهُ )
عند قوله تعالى :
وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ
في سورة العقود [ 36 ] . وجيء بلفظ
نَفْساً
مفردا مع أنّه تمييز نسبة
طِبْنَ
إلى ضمير جماعة النساء لأنّ التمييز اسم جنس نكرة يستوي فيه المفرد والجمع . وأسند الطيب إلى ذوات النساء ابتداء ثم جيء بالتمييز للدلالة على قوّة هذا الطيب على ما هو مقرّر في علم المعاني : من الفرق بين واشتعل الرأس شيبا وبين اشتعل شيب رأسي ، ليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإلجاء . وحقيقة فعل
( طابَ )
اتّصاف الشيء بالملاءمة للنفس ، وأصله طيب الرائحة لحسن مشمومها ، وطيب الريح موافقتها للسائر في البحر :
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
[ يونس : 22 ] ، ومنه أيضا ما ترضى به النفس كما تقدّم في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
[ البقرة : 168 ] ثم استعير لما يزكو بين جنسه كقوله :
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
[ النساء : 2 ] ومنه فعل
طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً
هنا أي رضين
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 23 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور