تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
والأداء حينئذ مستعمل في معناه الحقيقي ، لأنّ الحقّ هنا ذات يمكن إيصالها بالفعل لمستحقّها ، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات ، ومن جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقية ، فلا مجاز في لفظ ( تؤدّوا ) . وقوله :
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
عطف
أَنْ تَحْكُمُوا
على
أَنْ تُؤَدُّوا
وفصل بين العاطف والمعطوف الظرف ، وهو جائز ، مثل قوله :
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
[ البقرة : 201 ] وكذلك في عطف الأفعال على الصحيح : مثل
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
[ الشعراء : 129 ، 130 ] . والحكم مصدر حكم بين المتنازعين ، أي اعتنى بإظهار المحقّ منهما من المبطل ، أو إظهار الحقّ لأحدهما وصرّح بذلك ، وهو مشتقّ من الحكم - بفتح الحاء - وهو الردع عن فعل ما لا ينبغي ، ومنه سميّت حكمة اللّجام ، وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس ، ويقال : أحكم فلانا ، أي أمسكه . والعدل : ضدّ الجور ، فهو في اللغة التسوية ، يقال : عدل كذا بكذا ، أي سوّاه به ووازنه عدلا
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
[ الأنعام : 1 ] ، ثمّ شاع إطلاقه على إيصال الحقّ إلى أهله ، ودفع المعتدي على الحقّ عن مستحقّه ، إطلاقا ناشئا عمّا اعتاده الناس أنّ الجور يصدر من الطغاة الذين لا يعدّون أنفسهم سواء مع عموم الناس ، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا ، وإن شاءوا جاروا وظلموا ، قال لبيد :
ومقسم يعطي العشيرة حقّها * ومغذمر لحقوقها هضّامها « 1 »
فأطلق لفظ العدل - الذي هو التسوية - على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن ، وذلك فك الشيء من يد المعتدي ، لأنّه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين ، فهو كناية غالبة . ومظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحقّ بأخذ حقّه ممّن اعتدى عليه ، ولذلك قال تعالى هنا :
إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
، ثم توسّعوا في هذا الإطلاق حتّى صار يطلق على إبلاغ الحقّ إلى ربّه ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع . والعدل : مساواة بين الناس أو بين أفراد أمّة : في تعيين الأشياء لمستحقّها ، وفي تمكين كلّ ذي حقّ من حقّه ، بدون تأخير ، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها ، فالأوّل هو العدل في تعيين الحقوق ، والثاني هو العدل في التنفيذ ،
هامش
( 1 ) المغذمر ذو الغذمرة وهي ظهور الغضب في القول ، والهضام صاحب الهضم وهو الكسر والظلم .