تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
فيشهد محمّد صلى اللّه عليه وسلم بصدقه ، إذ ليس يلزم أن يكون ذلك المقصود من هذه الآية . وذكر متعلّق
( شَهِيداً )
الثاني مجرورا بعلى لتهديد الكافرين بأنّ الشهادة تكون عليهم ، لأنّهم المقصود من اسم الإشارة . و في « صحيح البخاري » : أنّ عبد اللّه بن مسعود قال : قال لي النبي صلى اللّه عليه وسلم « اقرأ عليّ القرآن ، قلت : أقرأه عليك وعليك أنزل ، قال : إني أحبّ أن أسمعه من غيري » فقرأت عليه سورة النساء ، حتّى إذا بلغت
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
، قال : أمسك فإذا عيناه تذرفان . وكما قلت : إنه أوجز في التعبير عن تلك الحال في لفظ كيف فكذلك أقول هنا : لا فعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة من بكاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنّه دلالة على شعور مجتمع فيه دلائل عظيمة : وهي المسرّة بتشريف اللّه إيّاه في ذلك المشهد العظيم ، وتصديق المؤمنين إيّاه في التبليغ ، ورؤية الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته ، والأسف على ما لحق بقية أمّته من العذاب على تكذيبه ، ومشاهدة ندمهم على معصيته ، والبكاء ترجمان رحمة ومسرّة وأسف وبهجة . وقوله :
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
الآية استئناف بياني ، لأنّ السامع يتساءل عن الحالة المبهمة المدلولة لقوله :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
ويتطلّب بيانها ، فجاءت هذه الجملة مبيّنة لبعض تلك الحالة العجيبة ، وهو حال الذين كفروا حين يرون بوارق الشرّ : من شهادة شهداء الأمم على مؤمنهم وكافرهم ، ويوقنون بأنّ المشهود عليهم بالكفر مأخوذون إلى العذاب ، فينالهم من الخوف ما يودّون منه لو تسّوى بهم الأرض وجملة
لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ
بيان لجملة يودّ أي يودّون ودّا يبيّنه قوله :
لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ
، ولكون مضمونها أفاد معنى الشيء المودود صارت الجملة الشرطية بمنزلة مفعول
( يَوَدُّ )
، فصار فعلها بمنزلة المصدر ، وصارت لو بمنزلة حرف المصدر ، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
في سورة البقرة [ 96 ] . وقوله :
تُسَوَّى
قرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر - بفتح التاء وتشديد السين - فهو مضارع تسوّى الذي هو مطاوع سوّاه إذا جعله سواء لشيء آخر ؛ أي مماثلا ، لأنّ السواء المثل فأدغمت إحدى التاءين في السين ؛ وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف - بفتح التاء وتخفيف السين - على معنى القراءة السابقة لكن بحذف إحدى التاءين للتخفيف ؛ وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، ويعقوب
تُسَوَّى
- بضمّ التاء وتخفيف السين - مبنيّا للمجهول ، أي تماثل . والمماثلة المستفادة من التسوية تحتمل أن تكون مماثلة في