تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
بعض ما سعى إليه ، فتمنّى أحد شيئا لم يسع إليه ولم يكن من حقوقه ، هو تمنّ غير عادل ، فحقّ النهي عنه ؛ أو المعنى استحقّ أولئك نصيبهم ممّا كسبوا ، أي ممّا شرع لهم من الميراث ونحوه ، فلا يحسد أحد أحدا على ما جعل له من الحقّ ، لأنّ اللّه أعلم بأحقّيّة بعضكم على بعض . وقوله :
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
إن كان عطفا على قوله :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا
إلخ ، الذي هو علّة النهي عن التمنّي ، فالمعنى : للرجال مزاياهم وحقوقهم ، وللنساء مزاياهنّ وحقوقهنّ ، فمن تمنّى ما لم يعدّ لصنفه فقد اعتدى ، لكن يسأل اللّه من فضله أن يعطيه ما أعدّ لصنفه من المزايا ، ويجعل ثوابه مساويا لثواب الأعمال التي لم تعدّ لصنفه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للنساء : « لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور » ؛ وإن كان عطفا على النهي في قوله : و
لا تَتَمَنَّوْا
فالمعنى : لا تتمنّوا ما في يد الغير واسألوا اللّه من فضله فإنّ فضل اللّه يسع الإنعام على الكلّ ، فلا أثر للتمنّي إلّا تعب النفس . وقرأ الجمهور :
وَسْئَلُوا
- بإثبات الهمزة بعد السين الساكنة وهي عين الفعل - وقرأه ابن كثير ، والكسائي - بفتح السين وحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى السين الساكن قبلها تخفيفا - . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
تذييل مناسب لهذا التكليف ، لأنّه متعلّق بعمل النفس لا يراقب فيه إلّا ربّه . [ 33 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 33 ]

وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 33 ) الجملة معطوفة على جملة
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
[ النساء : 32 ] باعتبار كونه جامعا لمعنى النهي عن الطمع في مال صاحب المال ، قصد منها استكمال تبيين من لهم حقّ في المال . وشأن ( كلّ ) إذا حذف ما تضاف إليه أن يعوّض التنوين عن المحذوف ، فإن جرى في الكلام ما يدلّ على المضاف إليه المحذوف قدّر المحذوف من لفظه أو معناه ، كما تقدم في قوله تعالى :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ
في سورة البقرة [ 148 ] ، وكذلك هنا فيجوز أن يكون المحذوف ممّا دلّ عليه قوله - قبله -
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ
-
وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ
[ النساء : 7 ] فيقدّر : ولكلّ الرجال والنساء جعلنا موالي ، أو لكلّ تارك جعلنا موالي . ويجوز أن يقدّر : ولكلّ أحد أو شيء جعلنا موالي .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 108 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور