وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل .
فليس سواء عالم وجهول وقال النابغة :
وليس جاهل شيء مثل من علما وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن ، وصف به أهل الشرك تنفيرا من الجهل ، وترغيبا في العلم ، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
[ المائدة : 50 ]
وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى
[ الأحزاب : 33 ]
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
[ الفتح : 26 ] . وقال ابن عبّاس : سمعت أبي في الجاهلية يقول : اسقنا كأسا دهاقا ، وفي حديث حكيم بن حزام : أنّه سأل النّبيء صلى اللّه عليه وسلم عن أشياء كان يتحنّث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم . وقالوا : شعر الجاهلية ، وأيّام الجاهلية . ولم يسمع ذلك كلّه إلّا بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين .
وقوله :
غَيْرَ الْحَقِّ
منتصب على أنّه مفعول
يَظُنُّونَ
كأنّه قيل الباطل . وانتصب قوله :
ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
على المصدر المبيّن للنوع إذ كلّ أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبّسا بها أو تاركا بها .
وجملة
يُخْفُونَ
حال من الضّمير في
يَقُولُونَ
أي يقولون ذلك في حال نيّتهم غير ظاهره ، ف
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ
إعلان بنفاقهم ، وأنّ قولهم :
هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ
وقولهم :
لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
هو وإن كان ظاهره صورة العتاب عن ترك مشورتهم فنيّتهم منه تخطئة النّبيء في خروجه بالمسلمين إلى أحد ، وأنّهم أسدّ رأيا منه .
وجملة
يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
بدل اشتمال من جملة
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ
إذ كانوا قد قالوا ذلك فيما بينهم ولم يظهروه ، أو هي بيان لجملة
يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ
إذا أظهروا قولهم للمسلمين ، فترجع الجملة إلى معنى بدل الاشتمال من جملة
يَظُنُّونَ
لأنها لما بينت جملة هي بدل فهي أيضا كالتي بينتها ، وهذا أظهر لأجل قوله بعده :
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ
فإنّه يقتضي أنّ تلك القالة فشت وبلغت الرسول ، ولا يحسن كون جملة
يَقُولُونَ لَوْ كانَ
إلى آخره مستأنفة خلافا لما في « الكشاف » .