وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط ، ولكنّه مجرد إيقاظ ، ولذلك عقّبه بقوله :
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ
فإنّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين ، لأنّ المؤمنين لمّا آمنوا بجميع رسل اللّه وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه ، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ . وهذان النظران ، منّا ومنهم ، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم ، وتصلّب أهل الكتابين مع ضعفهم .
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
.
جملة
وَتُؤْمِنُونَ
معطوفة على
تُحِبُّونَهُمْ
كما أن جملة
وَإِذا لَقُوكُمْ
معطوفة على
وَلا يُحِبُّونَكُمْ
وكلّها أحوال موزّعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة .
والتعريف في
بِالْكِتابِ
للجنس وأكّد بصيغة المفرد مراعاة للفظه ، وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيت القينقاعي .
والعضّ : شدّ الشيء بالأسنان . وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر . وإن لم يكن عضّ أنامل محسوسا ، ولكن كنّي به عن لازمه في المتعارف ، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال ، فقد تكون معينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه ، وفي ضدّه تقبيل من يحبّه ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله ، كتخبّط الصّبي في الأرض إذا غضب ، وضرب الرجل نفسه من الغضب ، وعضّه أصابعه من الغيظ ، وقرعه سنّه من النّدم ، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر ، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها ، وهي ضروب من علامات الجزع ، وبعضها جبلّي كالصياح ، وبعضها عادي يتعارفه النّاس ويكثر بينهم ، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل ، وقال الحارث بن ظالم المري :
فأقبل أقوام لئام أذلّة * يعضّون من غيظ رؤوس الأباهم
وقوله :
عَلَيْكُمُ
على فيه للتّعليل ، والضّمير المجرور ضمير المسلمين ، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة ، أي على التئامكم وزوال البغضاء ، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ
[ آل عمران : 100 ] ، ونظير هذا التعليق قول الشاعر :