وأشهر من وليها في الدولة العبّاسيّة ابن عائشة ، وكان رجلا صلبا في الحق ، وتسمّى هذه الولاية في المغرب ولاية السوق وقد وليها في قرطبة الإمام محمّد بن خالد بن مرتنيل القرطبي المعروف بالأشجّ من أصحاب ابن القاسم توفّي سنة 220 . وكانت في الدولة الحفصيّة ولاية الحسبة من الولايات النبيهة وربّما ضمّت إلى القضاء كما كان الحال في تونس بعد الدولة الحفصيّة .
وجملة
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
معطوفة على صفات أمّة وهي الّتي تضمّنتها جمل
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
والتقدير : وهم مفلحون : لأن الفلاح لمّا كان مسبّبا على تلك الصفات الثلاث جعل بمنزلة صفة لهم ، ويجوز جعل جملة
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
حالا من أمّة ، والواو للحال .
والمقصود بشارتهم بالفلاح الكامل إن فعلوا ذلك . وكان مقتضى الظاهر فصل هذه الجملة عمّا قبلها بدون عطف ، مثل فصل جملة
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ *
[ البقرة : 5 ] لكن هذه عطفت أو جاءت حالا لأن مضمونها جزاء عن الجمل الّتي قبلها ، فهي أجدر بأن تلحق بها .
ومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم ، فهو إمّا قصر إضافي بالنّسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه وإمّا قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاح غيرهم ، وهو معنى قصد الدّلالة على معنى الكمال .
وقوله :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
معطوف على قوله :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
وهو يرجع إلى قوله - قبل - :
وَلا تَفَرَّقُوا
[ آل عمران : 103 ] لما فيه من تمثيل حال التفرّق في أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود . وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر يفضي إلى التفرّق والاختلاف إذ تكثر النزعات والنزغات وتنشقّ الأمّة بذلك انشقاقا شديدا .
والمخاطب به يجري على الاحتمالين المذكورين في المخاطب بقوله :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
مع أنّه لا شكّ في أن حكم هذه الآية يعمّ سائر المسلمين : إمّا بطريق اللّفظ ، وإمّا بطريق لحن الخطاب ، لأن المنهي عنه هو الحالة الشبيهة بحال الّذين تفرّقوا واختلفوا .
وأريد بالّذين تفرّقوا واختلفوا الّذين اختلفوا في أصول الدّين ، من اليهود والنّصارى ، من بعد ما جاءهم من الدلائل المانعة من الاختلاف والافتراق . وقدّم الافتراق على