تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
و
لِلنَّاسِ
تعريفه إمّا للعهد : وهم الناس الذي خوطبوا بالكتابين ، وإمّا للاستغراق العرفي : فإنّهما وإن خوطب بهما ناس معروفون ، فإنّ ما اشتملا عليه يهتدي به كلّ من أراد أن يهتدي ، وقد تهوّد وتنصّر كثير ممّن لم تشملهم دعوة موسى وعيسى عليهما السلام ، ولا يدخل في العموم الناس الذين دعاهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم : لأنّ القرآن أبطل أحكام الكتابين ، وأما كون شرع من قبلنا شرعا لنا عند معظم أهل الأصول ، فذلك فيما حكاه عنهم القرآن لا ما يوجد في الكتابين ، فلا يستقيم اعتبار الاستغراق بهذا الاعتبار بل بما ذكرناه . والفرقان في الأصل مصدر فرق كالشكران والكفران والبهتان ، ثم أطلق على ما يفرق به بين الحق والباطل قال تعالى :
وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ
[ الأنفال : 41 ] وهو يوم بدر . وسمّي به القرآن قال تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ
[ الفرقان : 1 ] والمراد بالفرقان هنا القرآن ؛ لأنّه يفرق بين الحق والباطل ، وفي وصفه بذلك تفضيل لهداه على هدى التوراة والإنجيل ؛ لأنّ التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي ، لما فيها من البرهان ، وإزالة الشبهة . وإعادة قوله :
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
بعد قوله :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
للاهتمام ، وليوصل الكلام به في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
[ آل عمران : 4 ] الآية أي بآياته في القرآن .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
. استئناف بياني ممهّد إليه بقوله :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
لأنّ نفس السامع تتطلّع إلى معرفة عاقبة الذين أنكروا هذا التنزيل . وشمل قوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
المشركين واليهود والنصارى في مرتبة واحدة ، لأنّ جميعهم اشتركوا في الكفر بالقرآن ، وهو المراد بآيات اللّه - هنا - لأنّه الكتاب الوحيد الذي يصح أن يوصف بأنّه آية من آيات اللّه ؛ لأنّه معجزة . وعبّر عنهم بالموصول إيجازا ؛ لأنّ الصلة تجمعهم ، والإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو قوله :
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
. وعطف قوله :
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
على قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
لأنّه من تكملة هذا الاستئناف : لمجيئه مجيء التبيين لشدّة عذابهم ؛ إذ هو عذاب عزيز منتقم كقوله :
فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 42 ] .