تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
وقوله :
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
إلخ فصلّ بين الجملتين المتعاطفتين ، بإعادة النداء ، مع أنّه مستغنى عنه : لأنّ مخاطبة المنادى مغنية عن إعادة النداء لكن قصد من إعادته إظهار التذلّل . والحمل مجاز في التكليف بأمر شديد يثقل على النفس ، وهو مناسب لاستعارة الإصر . وأصل معنى الإصر ما يؤصر به أي يربط ، وتعقد به الأشياء ، ويقال له : الإصار - بكسر الهمزة - ثم استعمل مجازا في العهد والميثاق المؤكّد فيما يصعب الوفاء به ، ومنه قوله في آل عمران [ 81 ] :
قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي
وأطلق أيضا على ما يثقل عمله ، والامتثال فيه ، وبذلك فسّره الزجاج والزمخشري هنا وفي قوله ، في سورة الأعراف [ 157 ] :
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وهو المقصود هنا ، ومن ثم حسنت استعارة الحمل للتكليف ، لأنّ الحمل يناسب الثقل فيكون قوله :
وَلا تَحْمِلْ
ترشيحا مستعارا لملائم المشبّه به وعن ابن عباس :
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
عهدا لا نفي به ، ونعذّب بتركه ونقضه » . وقوله :
كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
صفة ل
إِصْراً
أي عهدا من الدين ، كالعهد الذي كلّف به من قبلنا في المشقة ، مثل ما كلّف به بعض الأمم الماضية من الأحكام الشاقّة مثل أمر بني إسرائيل بتية أربعين سنة ، وبصفات في البقرة التي أمروا بذبحها نادرة ونحو ذلك ، وكل ذلك تأديب لهم على مخالفات ، وعلى قلة اهتبال بأوامر اللّه ورسوله إليهم ، قال تعالى في صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويضع عنهم إصرهم » . وقوله :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
أي ما لا نستطيع حمله من العقوبات . والتضعيف فيه للتعدية . وقيل : هذا دعاء بمعافاتهم من التكاليف الشديدة ، والذي قبله دعاء بمعافاتهم من العقوبات التي عوقبت بها الأمم . والطاقة في الأصل الإطاقة خفّفت بحذف الهمزة كما قالوا : جابة وإجابة وطاعة وإطاعة . والقول في هذين الدعاءين كالقول في قوله :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا
. وقوله :
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا
لم يؤت مع هذه الدعوات بقوله ربّنا ، إمّا لأنّه تكرّر ثلاث مرات ، والعرب تكره تكرير اللفظ أكثر من ثلاث مرات إلّا في مقام التهويل ، وإمّا لأنّ تلك الدعوات المقترنة بقوله :
رَبَّنا
فروع لهذه الدعوات الثلاث ، فإذا استجيب تلك حصلت إجابة هذه بالأولى ؛ فإنّ العفو أصل لعدم المؤاخذة ، والمغفرة أصل لرفع المشقة والرحمة أصل لعدم العقوبة الدنيوية والأخروية ، فلمّا كان تعميما بعد تخصيص ، كان كأنّه