تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
العاصي ، وتعذيب المطيع ، فبالأولى تعذيب من يأمره بفعل مستحيل ، أو متعذّر ، واستدلّوا على ذلك بحديث تكليف المصوّر بنفخ الروح في الصورة وما هو بنافخ ، وتكليف الكاذب في الرؤيا بالعقد بين شعيرتين وما هو بفاعل . ولا دليل فيه لأنّ هذا في أمور الآخرة ، ولأنّهما خبرا آحاد لا تثبت بمثلها أصول الدين . وقالت المعتزلة : يمتنع التكليف بما لا يطاق بناء على قاعدتهم في أنّه يجب اللّه فعل الصلاح ونفي الظلم عنه ، وقاعدتهم في أنّه تعالى لا يخلق المنكرات من الأفعال ، وقاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف هو الامتثال وإلّا لصار عبثا وهو مستحيل على اللّه ، وأنّ اللّه يستحيل عليه تعذيب المطيع وإثابة العاصي . واستدلّوا بهذه الآية ، وبالآيات الدالة على أصولها : مثل
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ الكهف : 49 ]
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ]
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] إلخ . والتحقيق أنّ الذي جرّ إلى الخوض في المسألة هو المناظرة في خلق أفعال العباد ؛ فإنّ الأشعري لما نفى قدرة العبد ، وقال بالكسب ، وفسّره بمقارنة قدرة العبد لحصول المقدور دون أن تكون قدرته مؤثّرة فيه ، ألزمهم المعتزلة القول بأنّ اللّه كلّف العباد بما ليس في مقدورهم ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، فالتزم الأشعري ذلك ، وخالف إمام الحرمين والغزالي الأشعريّ في جواز تكليف ما لا يطاق والآية لا تنهض حجة على كلا الفريقين في حكم إمكان ذلك . ثم اختلف المجوّزون : هل هو واقع ، وقد حكى القرطبي الإجماع على عدم الوقوع وهو الصواب في الحكاية ، وقال إمام الحرمين - في « البرهان » - : « والتكاليف كلّها عند الأشعري من التكليف بما لا يطاق ، لأنّ المأمورات كلّها متعلّقة بأفعال هي عند الأشعري غير مقدورة للمكلّف ، فهو مأمور بالصلاة وهو لا يقدر عليها ، وإنّما يقدره اللّه تعالى عند إرادة الفعل مع سلامة الأسباب والآلات » وما ألزمه إمام الحرمين الأشعريّ إلزام باطل ؛ لأنّ المراد بما لا يطاق ما لا تتعلّق به قدرة العبد الظاهرة ، المعبّر عنها بالكسب ، للفرق البيّن بين الأحوال الظاهرة ، وبين الحقائق المستورة في نفس الأمر ، وكذلك لا معنى لإدخال ما علم اللّه عدم وقوعه ، كأمر أبي جهل بالإيمان مع علم اللّه بأنّه لا يؤمن ، في مسألة التكليف بما لا يطاق ، أو بالمحال ؛ لأنّ علم اللّه ذلك لم يطّلع عليه أحد . وأورد عليه أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا أبا لهب إلى الإسلام وقد علم اللّه أنّه لا يسلم لقوله تعالى :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
إلى قوله
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
[ المسد : 1 ، 3 ] فقد يقال : إنّه بعد