وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ
.
هذا معطوف على قوله :
إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ
[ البقرة : 282 ] الآية ، فجميع ما تقدّم حكم في الحضر والمكنة ، فإن كانوا على سفر ولم يتمكّنوا من الكتابة لعدم وجود من يكتب ويشهد فقد شرع لهم حكم آخر وهو الرهن ، وهذا آخر الأقسام المتوقّعة في صور المعاملة ، وهي حالة السفر غالبا ، ويلحق بها ما يماثل السفر في هاته الحالة .
والرهان جمع رهن - ويجمع أيضا على رهن بضم الراء وضم الهاء - وقد قرأه جمهور العشرة : بكسر الراء وفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو : بضم الراء وضم الهاء ، وجمعه باعتبار تعدّد المخاطبين بهذا الحكم .
والرهن هنا اسم للشيء المرهون تسمية للمفعول بالمصدر كالخلق . ومعنى الرهن أن يجعل شيء من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه . وأصل الرهن في كلام العرب يدل على الحبس قال تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
[ المدثر : 38 ] فالمرهون محبوس بيد الدائن إلى أن يستوفي دينه قال زهير :
وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
والرهن شائع عند العرب : فقد كانوا يرهنون في الحمالات والديات إلى أن يقع دفعها ، فربّما رهنوا أبناءهم ، وربّما رهنوا واحدا من صناديدهم ، قال الأعشى يذكر أنّ كسرى رام أخذ رهائن من أبنائهم :
آليت لا أعطيه من أبنائنا * رهنا فنفسدهم كمن قد أفسدا
وقال عبد اللّه بن همّام السلولي « 1 » :
فلمّا خشيت أظافيرهم * نجوت وأرهنتهم مالكا
ومن حديث كعب بن الأشرف أنّه قال لعبد الرحمن بن عوف : ارهنوني أبناءكم .
ومعنى فرهان : أي فرهان تعوّض بها الكتابة . ووصفها بمقبوضة إمّا لمجرّد الكشف ،
هامش
( 1 ) في باب الأدب من ديوان الحماسة .