تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
رسول اللّه ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة إلّا سواء بسواء عينا بعين ، من زاد وازداد فقد أربى » فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : « ألا ما بال أقوام يتحدّثون عن رسول اللّه أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه » فقال عبادة بن الصامت : « لنحدّثن بما سمعنا من رسول اللّه وإن كره معاوية » . والظاهر أنّ الآية لم يقصد منها إلّا ربا الجاهلية ، وأنّ ما عداه من المعاملات الباطلة التي فيها أكل مال بالباطل مندرجة في أدلة أخرى . وقوله :
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى
الآية تفريع على الوعيد في قوله :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا
. والمجيء بمعنى العلم والبلاغ ، أي من علم هذا الوعيد ، وهذا عذر لمن استرسل على معاملة الربا قبل بلوغ التحريم إليه ، فالمراد بالموعظة هذه الآية وآية آل عمران . والانتهاء مطاوع نهاه إذا صدّه عمّا لا يليق ، وكأنّه مشتق من النّهى - بضم النون - وهو العقل . ومعنى « فله ما سلف » ، أي ما سلف قبضه من مال الربا لا ما سلف عقده ولم يقبض ، بقرينة قوله - الآتي -
وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ
[ البقرة : 279 ] . وقوله :
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
فرضوا فيه احتمالات يرجع بعضها إلى رجوع الضمير إلى « من جاءه » وبعضها إلى رجوعه إلى ما سلف ، والأظهر أنّه راجع إلى من جاءه لأنّه المقصود ، وأنّ معنى
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
أنّ أمر جزائه على الانتهاء موكول إلى اللّه تعالى ، وهذا من الإيهام المقصود منه التفخيم . فالمقصود الوعد بقرينة مقابلته بالوعيد في قوله :
وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
. وجعل العائد خالدا في النار إما لأنّ المراد العود إلى قوله :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نفاق ؛ فإنّ كثيرا منهم قد شقّ عليهم ترك التعامل بالربا ، فعلم اللّه منهم ذلك وجعل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم ، فالخلود على حقيقته . وإما لأنّ المراد العود إلى المعاملة بالربا ، وهو الظاهر من مقابلته بقوله :
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى
والخلود طول المكث كقول لبيد :
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا * صمّا خوالد ما يبين كلامها
ومنه : خلّد اللّه ملك فلان . وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما