تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
أفلاطون ، واشتهر أصحابه بالإشراقيين ، ثم أخذ عنه أفضل تلامذته وهو أرسطاطاليس وهذّب طريقته ووسّع العلوم ، وسمّيت أتباعه بالمشّائين ، ولم تزل الحكمة من وقت ظهوره معوّلة على أصوله إلى يومنا هذا .
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
وهو الذي شاء اللّه إيتاءه الحكمة . والخير الكثير منجرّ إليه من سداد الرأي والهدي الإلهي ، ومن تفاريع قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوغّل في فهمها واستحضار مهمها ؛ لأنّنا إذا تتبّعنا ما يحلّ بالناس من المصائب نجد معظمها من جرّاء الجهالة والضلالة وأفن الرأي . وبعكس ذلك نجد ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات منجرّا من المعارف والعلم بالحقائق ، ولو أنّنا علمنا الحقائق كلّها لاجتنبنا كل ما نراه موقعا في البؤس والشقاء . وقرأ الجمهور
وَمَنْ يُؤْتَ
بفتح المثناة الفوقية بصيغة المبني للنائب ، على أنّ ضمير يؤت نائب فاعل عائد على من الموصولة وهو رابط الصلة بالموصول . وقرأ يعقوب ومن يؤت الحكمة - بكسر المثناة الفوقية - بصيغة البناء للفاعل . فيكون الضمير الذي في فعل يؤت عائدا إلى اللّه تعالى ، وحينئذ فالعائد ضمير نصب محذوف والتقدير : ومن يؤته اللّه . وقوله :
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ *
تذييل للتنبيه على أنّ من شاء اللّه إيتاء الحكمة هو ذو اللّب . وأنّ تذكر الحكمة واستصحاب إرشادها بمقدار استحضار اللّب وقوته واللّب في الأصل خلاصة الشيء وقلبه ، وأطلق هنا على عقل الإنسان لأنّه أنفع شيء فيه . [ 270 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 270 ]

وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 )
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
. تذييل للكلام السابق المسوق للأمر بالإنفاق وصفاته المقبولة والتحذير من المثبّطات عنه ابتداء من قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
[ البقرة : 267 ] . والمقصود من هذا التذييل التذكير بأنّ اللّه لا يخفى عليه شيء من النفقات وصفاتها ، وأدمج النذر مع الإنفاق فكان الكلام جديرا بأن يكون تذييلا .