يكون تعليلا غائيا أي حاجّ لأجل أنّ اللّه آتاه الملك ، فاللام استعارة تبعية لمعنى يؤدّى بحرف غير اللام ، والداعي لهاته الاستعارة التهكّم ، أي أنّه وضع الكفر موضع الشكر كما في أحد الوجهين في قوله تعالى :
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[ الواقعة : 82 ] ، أي جزاء رزقكم . وإيتاء الملك مجاز في التفضّل عليه بتقدير أن جعله ملكا وخوّله ذلك ، ويجيء تفصيل هذا الفعل عند قوله تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ
في سورة الأنعام [ 83 ] . قيل : كان نمرود أول ملك في الأرض وأول من وضع التاج على رأسه . و
إِذْ قالَ
ظرف لحاجّ . وقد دل هذا على أنّ إبراهيم هو الذي بدأ بالدعوة إلى التوحيد واحتجّ بحجة واضحة يدركها كل عاقل وهي أن الرّب الحق هو الذي يحيي ويميت ؛ فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنّه لا يستطيع إحياء ميت فلذلك ابتدأ إبراهيم الحجة بدلالة عجز الناس عن إحياء الأموات ، وأراد بأنّ اللّه يحيي أنّه يخلق الأجسام الحيّة من الإنسان والحيوان وهذا معلوم بالضرورة . وفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث لأنّ الذي حاجّ إبراهيم كان من عبدة الأصنام ، وهم ينكرون البعث . وذلك موضع العبرة من سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشرك ، ثم أعقبه بدلالة الأمانة ، فإنّه لا يستطيع تنهية حياة الحي ، ففي الإحياء والأمانة دلالة على أنّهما من فعل فاعل غير البشر ، فاللّه هو الذي يحيي ويميت . فاللّه هو الباقي دون غيره الذين لا حياة لهم أصلا كالأصنام إذ لا يعطون الحياة غيرهم وهم فاقدوها ، ودون من لا يدفع الموت على نفسه مثل هذا الذي حاجّ إبراهيم .
وجملة
قالَ أَنَا أُحْيِي
بيان لحاجّ والتقدير حاجّ إبراهيم قال أنا أحيي وأميت حين قال له إبراهيم
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
. وقد جاء بمغالطة عن جهل أو غرور في الإحياء والإماتة إذ زعم أنّه يعمد إلى من حكم عليه بالموت فيعفو عنه ، وإلى بريء فيقتله ، كذا نقلوه . ويجوز أن يكون مراده أنّ الإحياء والإماتة من فعله هو لأنّ أمرهما خفي لا يقوم عليه برهان محسوس .
وقرأ الجمهور ألف ضمير ( أنا ) بقصر الألف بحيث يكون كفتحة غير مشبعة وذلك استعمال خاص بألف ( أنا ) في العربية . وقرأه نافع وأبو جعفر مثلهم إلّا إذا وقع بعد الألف همزة قطع مضمومة أو مفتوحة كما هنا ، وكما في قوله تعالى :
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
[ الأنعام : 163 ] فيقرأه بألف ممدودة . وفي همزة القطع المكسورة روايتان لقالون عن نافع نحو قوله تعالى :
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ *
[ الأعراف : 188 ] وهذه لغة فصيحة .