موقع هذه الآية مثل موقع
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ البقرة : 245 ] الآية لأنّه لما دعاهم إلى بذل نفوسهم للقتال في سبيل اللّه فقال :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ البقرة : 244 ] شفّعه بالدعوة إلى بذل المال في الجهاد بقوله :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً
[ البقرة : 245 ] على طريقة قوله :
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ الأنفال : 72 ] ، وكانت هذه الآية في قوة التذييل لآية
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
لأنّ صيغة هذه الآية أظهر في إرادة عموم الإنفاق المطلوب في الإسلام ، فالمراد بالإنفاق هنا ما هو أعم من الإنفاق في سبيل اللّه ، ولذلك حذف المفعول والمتعلق لقصد الانتقال إلى الأمر بالصدقات الواجبة وغيرها ، وستجيء آيات في تفصيل ذلك .
وقوله :
مِمَّا رَزَقْناكُمْ
حث على الإنفاق واستحقاق فيه .
وقوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
حث آخر لأنه يذكر بأن هنالك وقتا تنتهي الأعمال إليه ويتعذّر الاستدراك فيه ، واليوم هو يوم القيامة ، وانتفاء البيع والخلة والشفاعة كناية عن تعذّر التدارك للفائت ، لأن المرء يحصل ما يعوزه بطرق هي المعاوضة المعبر عنها بالبيع ، والارتفاق من الغير وذلك بسبب الخلة ، أو بسبب توسط الواسطة إلى من ليس بخليل .
والخلة - بضم الخاء - المودة والصحبة ، ويجوز كسر الخاء ولم يقرأ به أحد ، وتطلق الخلة بالضم على الصديق تسمية بالمصدر فيستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره قال الحماسي :
ألا أبلغا خلّتي راشدا * وصنوي قديما إذا ما اتصل
وقال كعب : أكرم بها خلة ، البيت .
فيجوز أن يراد هنا بالخلة المودة ، ونفي المودة في ذلك لحصول أثرها وهو الدّفع عن الخليل كقوله تعالى :
وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
[ لقمان : 33 ] ، ويجوز أن يكون نفي الخليل كناية عن نفي لازمه وهو النفع كقوله :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ
[ الشعراء : 88 ] ، قال كعب بن زهير :
وقال كل خليل كنت آمله * لا ألهينّك إني عنك مشغول
وقرأ الجمهور
لا بَيْعٌ فِيهِ
- وما بعده - بالرفع لأنّ المراد بالبيع والخلة والشفاعة