تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن ، وأن الخوف من الموت لا يدفع الموت ، فهؤلاء الذين ضرب بهم هذا المثل خرجوا من ديارهم خائفين من الموت ، فلم يغن خوفهم عنهم شيئا ، وأراهم اللّه الموت ثم أحياهم ، ليصير خلق الشجاعة لهم حاصلا بإدراك الحس . ومحل العبرة من القصة هو أنهم ذاقوا الموت الذي فروا منه ، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئا ، وأنهم ذاقوا الحياة بعد الموت ، ليعلموا أن الموت والحياة بيد اللّه ، كما قال تعالى :
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ
[ الأحزاب : 16 ] . وجملة :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الآية هي المقصود الأول ، فإن ما قبلها تمهيد لها كما علمت ، وقد جعلت في النظم معطوفة على جملة
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
عطفا على الاستئناف ، فيكون لها حكم جملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، ولولا طول الفصل بينها وبين جملة
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] ، لقلنا : إنها معطوفة عليها على أن اتصال الغرضين يلحقها بها بدون عطف . وجملة
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
حث على القتال وتحذير من تركه بتذكيرهم بإحاطة علم اللّه تعالى بجميع المعلومات : ظاهرها وباطنها . وقدّم وصف سميع ، وهو أخص من عليم ، اهتماما به هنا ؛ لأن معظم أحوال القتال في سبيل اللّه من الأمور المسموعة ، مثل جلبة الجيش وقعقعة السلاح وصهيل الخيل . ثم ذكر وصف عليم لأنه يعم العلم بجميع المعلومات ، وفيها ما هو من حديث النفس مثل خلق الخوف ، وتسويل النفس القعود عن القتال ، وفي هذا تعريض بالوعد والوعيد . وافتتاح الجملة بقوله :
وَاعْلَمُوا
للتنبيه على ما تحتوي عليه من معنى صريح وتعريض ، وقد تقدم قريبا عند قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
[ البقرة : 223 ] . [ 245 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 245 ]

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) اعتراض بين جملة :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
[ البقرة : 243 ] إلى آخرها ، وجملة
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ
[ البقرة : 246 ] الآية ، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه اللّه في طرق البر ، لمناسبة الحث على القتال ، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العدّة والمئونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلا في سبيل اللّه بإعطاء العدّة لمن لا عدّة له ، والإنفاق على المعسرين من الجيش ، وفيها تبيين لمضمون
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 458 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور