تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
وقرأ ابن كثير
آتَيْتُمْ
بترك همزة التعدية . فالمعنى عليه : إذا سلمتم ما جئتم ، أي ما قصدتم ، فالإتيان حينئذ مجاز عن القصد ، كقوله تعالى :
إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الصافات : 84 ] وقال زهير :
وما كان من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل
وقوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
تذييل للتخويف ، والحث على مراقبة ما شرع اللّه ، من غير محاولة ولا مكابدة ، وقوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
تذكير لهم بذلك ، وإلّا فقد علموه . وقد تقدم نظيره آنفا . [ 234 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 234 ]

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 ) انتقال إلى بيان عدة الوفاة بعد الكلام عن عدة طلاق وما اتصل بذلك من أحكام الإرضاع عقب الطلاق ، تقصيا لما به إصلاح أحوال العائلات ، فهو عطف قصة على قصة . ويتوفون مبني للمجهول ، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول مثل عني واضطر ، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو ، أو لم يعرفوا له فاعلا معينا . وهو من توفاه اللّه أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه مجاز ، تنزيلا لعمر الحي منزلة حق للموت ، أو لخالق الموت ، فقالوا : توفى فلان كما يقال : توفى الحق ونظيره قبض فلان ، وقبض الحق فصار المراد من توفى : مات ، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية وجاء الإسلام فقال اللّه تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
[ الزمر : 42 ] وقال :
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
[ النساء : 15 ] وقال :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
[ السجدة : 11 ] فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة ، وأبقي استعمال الفعل مبنيا للمجهول فيما عدا ذلك إيجازا وتبعا للاستعمال . وقوله :
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
خبر ( الذين ) وقد حصل الربط بين المبتدأ والخبر بضمير
يَتَرَبَّصْنَ
، العائد إلى الأزواج ، الذي هو مفعول الفعل المعطوف على الصلة ، فهن أزواج المتوفين ؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر ، وهذا الظاهر قائم مقام المضاف إلى ضمير المبتدأ ، بناء على مذهب الأخفش والكسائي من الاكتفاء في الربط بعود الضمير