تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
كما في القرطبي والبيضاوي ، ويظهر من كلام ابن الفرس في « أحكام القرآن » أنّ هذا قول مالك . وقال ابن رشد في « البيان والتحصيل » : إن قوله تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
ومحمول على عمومه في ذات الزوج وفي المطلقة مع عسر الأب ، ولم ينسبه إلى مالك ، ولذلك قال ابن عطية : قوله :
يُرْضِعْنَ
خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات ، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي ، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه . والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية ، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى :
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
الآية ، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة . والحول في كلام العرب : العام ، وهو مشتق من تحول دورة القمر أو الشمس في فلكه من مبدأ مصطلح عليه ، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه ، فتلك المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولا . وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام . ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثاني ؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان ، على بعض المدلول ، إطلاق شائع عند العرب ، فيقولون : هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية ، كما مر في قوله :
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[ البقرة : 197 ] . وقوله :
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
، قال في « الكشاف » : « بيان لمن توجه إليه الحكم كقوله :
هَيْتَ لَكَ
[ يوسف : 23 ] ، فلك بيان للمهيّت له أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع » أي فهو خبر مبتدأ محذوف ، كما أشار إليه ، بتقدير هذا الحكم لمن أراد . قال التفتازاني : « وقد يصرح بهذا المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ
[ النساء : 25 ] وما صدق ( من ) هنا من يهمه ذلك : وهو الأب والأم ومن يقوم مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه . والمعنى : أن هذا الحكم يستحقه من أراد إتمام الرضاعة ، وأباه الآخر ، فإن أرادا معا عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم من قوله :
فَإِنْ أَرادا فِصالًا
الآية . وقد جعل اللّه الرضاع حولين رعيا لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه ، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ما يصلح له الرضاع