تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
طلاقا بالمرة ، واحتج بأن القرآن ذكر الطلاق المفرّق ولم يذكر المجموع فلا يلزم لأنه غير مذكور في القرآن . ولو احتج لهما بأنه منهي عنه والمنهي عنه فاسد لكان قريبا ، لولا أن الفساد لا يعتري الفسوخ ، وهذا مذهب شاذ وباطل ، وقد أجمع المسلمون على عدم العمل به ، وكيف لا يقع طلاقا وفيه لفظ الطلاق . وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثا في كلمة يقع طلقة واحدة ، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق بالمبني بها وكأنّ وجه قولهم فيه : وأن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة والمطلقة قبل البناء تبينها الواحدة . ووصف
زَوْجاً غَيْرَهُ
تحذير للأزواج من الطلقة الثالثة ، لأنه بذكر المغايرة يتذكر أن زوجته ستصير لغيره كحديث الواعظ الذي اتعظ بقول الشاعر :
اليوم عندك دلّها وحديثها * وغدا لغيرك زندها والمعصم
وأسند الرجعة إلى المتفارقين بصيغة المفاعلة لتوقفها على رضا الزوجة بعد البينونة ثم علق ذلك بقوله :
إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
أي أن يسيرا في المستقبل على حسن المعاشرة وإلا فلا فائدة في إعادة الخصومات . و
حُدُودَ اللَّهِ
هي أحكامه وشرائعه ، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها . وحقيقة الحدود هي الفواصل بين الأرضين ونحوها وقد تقدم في قوله :
إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
[ البقرة : 229 ] والإقامة استعارة لحفظ الأحكام تبعا لاستعارة الحدود إلى الأحكام كقولهم : نقض فلان غزله ، وأما قوله :
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها
فالبيان صالح لمناسبة المعنى الحقيقي والمجازي ؛ لأنّ إقامة الحدّ الفاصل فيه بيان للناظرين . والمراد ب
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
، الذين يفهمون الأحكام فهما يهيئهم للعمل بها ، وبإدراك مصالحها ، ولا يتحيلون في فهمها .
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الواو اعتراضية ، والجملة معترضة بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى ، وموقع هذه الجملة كموقع جملة
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
[ البقرة : 229 ] المتقدمة آنفا . و
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
تقدم الكلام عليها قريبا .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 400 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور