تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
يشهد به أصل الاشتقاق من الألو ، وتشهد به موارد الاستعمال ، لأنا نجدهم لا يذكرون حرف النفي بعد فعل آلى ونحوه كثيرا ، ويذكرونه كثيرا ، قال المتلمس :
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه
وقال تعالى :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا
[ النور : 22 ] أي على أن يؤتوا وقال تعالى هنا :
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ
فعدّاه بمن ، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين . وأيّا ما كان فالإيلاء بعد نزول هذه الآية ، صار حقيقة شرعية في هذا الحلف على الوصف المخصوص . ومجيء اللام في
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ
لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم ، فاللام للأجل مثل هذا لك ويعلم منه معنى التخيير فيه ، أي ليس التربص بواجب ، فللمولى أن يفىء في أقل من الأشهر الأربعة . وعدى فعل الإيلاء بمن ، مع أن حقه أن يعدّى بعلى ؛ لأنه ضمن هنا معنى البعد ، فعدي بالحرف المناسب لفعل البعد ، كأنه قال : للذين يؤلون متباعدين من نسائهم ، فمن للابتداء المجازي . والنساء : الزوجات كما تقدم في قوله :
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ
[ البقرة : 222 ] وتعليق الإيلاء باسم النساء من باب إضافة التحليل والتحريم ونحوهما إلى الأعيان ، مثل
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
[ النساء : 23 ] وقد تقدم في قوله تعالى :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
[ البقرة : 173 ] . والتربص : انتظار حصول شيء لغير المنتظر ، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
[ البقرة : 228 ] ، وإضافة تربص إلى أربعة أشهر إضافة على معنى « في » كقوله تعالى :
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ
[ سبأ : 33 ] . وتقديم
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ
على المبتدأ المسند إليه ، وهو تربص ، للاهتمام بهذه التوسعة التي وسع اللّه على الأزواج ، وتشويق لذكر المسند إليه . و
فاؤُ
رجعوا أي رجعوا إلى قربان النساء ، وحذف متعلق
فاؤُ
بالظهور المقصود . والفيئة تكون بالتكفير عن اليمين المذكورة في سورة العقود . وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
دليل الجواب ، أي فحنثهم في يمين الإيلاء مغفور لهم ؛ لأن اللّه غفور رحيم . وفيه إيذان بأن الإيلاء حرام ، لأن شأن إيلائهم الوارد فيه