تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فأنكر الناس عليه وقالوا : أثفرها فأنزل اللّه تعالى
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
فعلى تأويل هؤلاء يكون قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
، تشبيها للمرأة بالحرث أي بأرض الحرث وأطلق
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
على معنى : فاحرثوا في أي مكان شئتم . أقول : قد أجمل كلام اللّه تعالى هنا ، وأبهم وبين المبهمات بمبهمات من جهة أخرى لاحتمال
أَمَرَكُمُ اللَّهُ
معاني ليس معنى الإيجاب والتشريع منها ، إذ لم يعهد سبق تشريع من اللّه في هذا كما قدمناه ، ثم أتبع بقوله :
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
[ البقرة : 222 ] فربما أشعر بأن فعلا في هذا البيان كان يرتكب واللّه يدعو إلى الانكفاف عنه وأتبع بقوله :
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
فأشعر بأن فعلا في هذا الشأن قد يلتبس بغير التنزه واللّه يحب التنزه عنه ، مع احتمال المحبة عنه لمعنى التفضيل والتكرمة مثل
يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
[ التوبة : 108 ] ، واحتمالها لمعنى : ويبغض غير ذلك ، ثم جاء ما هو كالدليل وهو قوله :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
فجعلن حرثا على احتمال وجوه في الشبه ؛ فقد يقال : إنه وكل للمعروف ، وقد يقال : إنه جعل شائعا في المرأة ، فلذلك نيط الحكم بذات النساء كلها ، ثم قال :
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
فجاء بأنى المحتملة للكيفيات وللأمكنة وهي أصل في الأمكنة ووردت في الكيفيات ، وقد قيل : إنها ترد للأزمنة فاحتمل كونها أمكنة الوصول من هذا الإتيان ، أو أمكنة الورود إلى مكان آخر مقصود فهي أمكنة ابتداء الإتيان أو أمكنة الاستقرار فأجمل في هذا كله إجمال بديع وأثنى ثناء حسن . واختلاف محامل الآية في أنظار المفسرين والفقهاء طوع علم المتأمل ، وفيها أقوال كثيرة ومذاهب مختلفة لفقهاء الأمصار في كتب أحكام القرآن وكتب السنة ، وفي دواوين الفقه ، وقد اقتصرنا على الآثار التي تمت إلى الآية بسبب نزول ، وتركنا ما عداه إلى أفهام العقول .
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
عطف على جملة
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
أو على جملة
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
. عطف الإنشاء على الخبر ، على أن الجملة المعطوف عليها وإن كانت خبرا فالمقصود منها الأمر بالتوبة والتطهر ؛ فكرر ذلك اهتماما بالحرص على الأعمال الصالحة بعد الكلام على اللذائذ العاجلة . وحذف مفعول
وَقَدِّمُوا
اختصارا لظهوره ؛ لأن التقديم هنا إعداد الحسنات فإنها