تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
تذكيره بتقوى اللّه تعالى غضب لذلك ، والأخذ أصله تناول الشيء باليد ، واستعمل مجازا مشهورا في الاستيلاء قال تعالى :
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] وفي القهر نحو
فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ
[ الأنعام : 42 ] . وفي التلقي مثل
أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
[ آل عمران : 81 ] ومنه أخذ فلان بكلام فلان ، وفي الاحتواء والإحاطة يقال أخذته الحمى وأخذتهم الصيحة ، ومنه قوله هنا
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ
أي احتوت عليه عزة الجاهلية . والعزة صفة يرى صاحبها أنه لا يقدر عليه غيره ولا يعارض في كلامه لأجل مكانته في قومه واعتزازه بقوتهم قال السموأل :
وننكر إن شئنا على الناس قولهم * ولا ينكرون القول حين نقول
ومنه العزة بمعنى القوة والغلبة وإنما تكون غالبا في العرب بسبب كثرة القبيلة ، وقد تغني الشجاعة عن الكثرة ومن أمثالهم : وإنما العزة للكاثر ، وقالوا : لن نغلب من قلة وقال السموأل
وما ضرّنا أنا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل
ومنها جاء الوصف بالعزيز كما سيأتي في قوله :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ البقرة : 209 ] . ف ( أل ) في ( العزة ) للعهد أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع صاحبها من قبول اللوم أو التغيير عليه ، لأن العزة تقتضي معنى المنعة فأخذ العزة له كناية عن عدم إصغائه لنصح الناصحين . وقوله :
بِالْإِثْمِ
الباء فيه للمصاحبة أي أخذته العزة الملابسة للإثم والظلم وهو احتراس لأن من العزة ما هو محمود قال تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقين : 8 ] أي فمنعته من قبول الموعظة وأبقته حليف الإثم الذي اعتاده لا يرعوي عنه وهما قرينان . وقوله :
فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ
تفريع على هاته الحالة ، وأصل الحسب هو الكافي كما سيجيء عند قوله تعالى :
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
في آل عمران [ 173 ] . ولما كان كافي الشيء من شأنه أن يكون على قدره ومما يرضيه كما قال أبو الطيب : على قدر أهل العزم تأتي العزائم
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 255 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور