تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وقوله :
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
تذييل قصد به تحقيق الوعد بحصول الإجابة ، وزيادة تبشير لأهل ذلك الموقف ، لأن إجابة الدعاء فيه سريعة الحصول ، فعلم أن الحساب هنا أطلق على مراعاة العمل والجزاء عليه . والحساب في الأصل العد ، ثم أطلق على عد الأشياء التي يراد الجزاء عليها أو قضاؤها ، فصار الحساب يطلق على الوفاء بالحق يقال حاسبه أي كافأه أو دفع إليه حقه ، ومنه سمي يوم القيامة يوم الحساب وقال تعالى :
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي
[ الشعراء : 113 ] وقال
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً
[ النبأ : 36 ] أي وفاقا لأعمالهم ، وهاهنا أيضا أريد به الوفاء بالوعد وإيصال الموعود به ، فاستفادة التبشير بسرعة حصول مطلوبهم بطريق العموم ؛ لأن إجابتهم من جملة حساب اللّه تعالى عباده على ما وعدهم فيدخل في ذلك العموم . والمعنى فإذا أتممتم أيها المسلمون مناسك حجكم فلا تنقطعوا عن أن تذكروا اللّه بتعظيمه وحمده ، وبالالتجاء إليه بالدعاء لتحصيل خير الدنيا وخير الآخرة ، ولا تشتغلوا بالتفاخر ، فإن ذكر اللّه خير من ذكركم آباءكم كما كنتم تذكرونهم بعد قضاء المناسك قبل الإسلام وكما يذكرهم المشركون الآن . ولا تكونوا كالذين لا يدعون إلّا بطلب خير الدنيا ولا يتفكرون في الحياة الآخرة ، لأنهم ينكرون الحياة بعد الموت فإنكم إن سألتموه أعطاكم نصيبا مما سألتم في الدنيا وفي الآخرة إن اللّه يعجل باستجابة دعائكم . [ 203 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 203 ]

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) معطوف على
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
[ البقرة : 200 ] وما بينهما اعتراض ، وإعادة فعل
اذْكُرُوا
ليبنى عليه تعليق المجرور أي قوله :
فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
لبعد متعلقه وهو
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
، لأنه أريد تقييد الذكر بصفته ثم تقييده بزمانه ومكانه . فالذكر الثاني هو نفس الذكر الأول وعطفه عليه منظور فيه إلى المغايرة بما علق به من زمانه . والأيام المعدودات أيام منى ، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، يقيم الناس فيها بمنى وتسمى أيام التشريق ، لأن الناس يقددون فيها اللحم ، والتقديد تشريق ، أو لأن الهدايا لا تنحر فيها حتى تشرق الشمس . وكانوا يعلمون أن إقامتهم بمنى بعد يوم النحر بعد طواف الإفاضة ثلاثة أيام فيعلمون أنها المراد هنا بالأيام المعدودات ، ولذلك قال جمهور الفقهاء