تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الترغيب في المصالحة عن الدماء ، وينبغي ألا نذهب بأفهام الناظر طرائق قددا ، فالقول الفصل أن نقول : إن ما صدق من في قوله :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ
هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفا بأنه أخ تذكيرا بأخوة الإسلام وترقيقا لنفس ولي المقتول ؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخا له كان من المروءة ألا يرضى بالقود منه ؛ لأنه كمن رضي بقتل أخيه ، ولقد قال بعض العرب : قتل أخوه ابنا له عمدا فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف وقال :
أقول للنفس تأساء وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وما صدق
شَيْءٌ
هو عرض الصلح ، ولفظ شيء اسم متوغل في التنكير دال على نوع ما يصلح له سياق الكلام ، وقد تقدم حسن موقع كلمة شيء عند قوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
[ البقرة : 155 ] . ومعنى
عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض الصلح . ومن معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا يجحف بباذله وقد فسر به العفو من قوله تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ
[ الأعراف : 199 ] ، وإيثار هذا الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام فهذا تأكيد للترغيب الذي دل عليه قوله :
مِنْ أَخِيهِ
، والتعبير عن عوض الدم بشيء لأن العوض يختلف فقد يعرض على ولي الدم مال من ذهب أو فضة وقد يعرض عليه إبل أو عروض أو مقاصة دماء بين الحيين ؛ إذ ليس العوض في قتل العمد معينا كما هو في دية قتل الخطأ . ( واتّباع ) و ( أداء ) مصدران وقعا عوضا عن فعلين والتقدير : فليتبع اتباعا وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع في قوله تعالى :
قالَ سَلامٌ *
[ هود : 69 ] بعد قوله :
قالُوا سَلاماً *
[ هود : 69 ] ، وقد تقدم تطور المصدر الذي أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعا عند قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
[ الفاتحة : 2 ] ، فنظم الكلام : فاتباع حاصل ممن عفي له من أخيه شيء وأداء حاصل من أخيه إليه ، وفي هذا تحريض لمن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان . والاتباع مستعمل في القبول والرضا ، أي فليرض بما عفي له كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع » . والضمير المقدر في ( اتباع ) عائد إلى
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ
والضمير المقدر في أداء عائد
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 140 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور