قراءة القرآن منكسا ، فالمراد منه أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها » . قلت أو يحمل النهي على الكراهة .
واعلم أن معنى الطولى والقصرى في السور مراعى فيه عدد الآيات لا عدد الكلمات والحروف ، وأن الاختلاف - بينهم في تعيين المكي والمدني من سور القرآن خلاف ليس بكثير ، وأن ترتيب المصحف تخللت فيه السور المكية والمدنية . وأما ترتيب نزول السور المكية ونزول السور المدنية ففيه ثلاث روايات ، إحداها رواية مجاهد عن ابن عباس ، والثانية رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس ، والثالثة لجابر بن زيد ولا يكون إلا عن ابن عباس ، وهي التي اعتمدها الجعبري في منظومته التي سماها « تقريب المأمول في ترتيب النزول » وذكرها السيوطي في « الإتقان » وهي التي جرينا عليها في تفسيرنا هذا .
وأما أسماء السور فقد جعلت لها من عهد نزول الوحي ، والمقصود من تسميتها تيسير المراجعة والمذاكرة . وقد دل حديث ابن عباس الذي ذكر آنفا أن
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول إذا نزلت الآية : « ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا »
، فسورة البقرة مثلا كانت تلقب بالسورة التي تذكر فيها البقرة . وفائدة التسمية أن تكون بما يميز السورة عن غيرها .
وأصل أسماء السور أن تكون بالوصف كقولهم السورة التي يذكر فيها كذا ، ثم شاع فحذفوا الموصول وعوضوا عنه الإضافة فقالوا سورة ذكر البقرة مثلا ، ثم حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه فقالوا سورة البقرة . أو أنهم لم يقدروا مضافا وأضافوا السورة لما يذكر فيها لأدنى ملابسة . وقد ثبت في « صحيح البخاري » قول عائشة رضي اللّه عنها :
« لما نزلت الآيات من آخر البقرة » الحديث وفيه عن ابن مسعود قال قرأ رسول اللّه النجم وعن ابن عباس أن رسول اللّه سجد بالنجم . وما
روي من حديث عن أنس مرفوعا : « لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها آل عمران - وكذا القرآن كله »
، فقال أحمد بن حنبل هو حديث منكر ، وذكره ابن الجوزي في « الموضوعات » ، ولكن ابن حجر أثبت صحته . ويذكر عن ابن عمر أنه كان يقول مثل ذلك ولا يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ذكره البيهقي في « شعب الإيمان » ، وكان الحجاج بن يوسف يمنع من يقول سورة كذا ويقول قل السورة التي يذكر فيها كذا ، والذين صححوا حديث أنس تأوّلوه وتأوّلوا قول ابن عمر بأن ذلك كان في مكة حين كان المسلمون إذا قالوا : سورة الفيل وسورة العنكبوت مثلا هزأ بهم المشركون ، وقد روي أن هذا سبب نزول قوله تعالى :
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[ الحجر : 95 ] فلما هاجر