كرر النداء لأنه عطف غرض آخر في هذا الدعاء وهو غرض الدعاء بمجيء الرسالة في ذريته لتشريفهم وحرصا على تمام هديهم .
وإنما قال :
فِيهِمْ
ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيء رسول برسالة عامة فلا يكون ذلك الرسول رسولا إليهم فقط ، ولذلك حذف متعلق
رَسُولًا
ليعم ، فالنداء في قوله :
رَبَّنا وَابْعَثْ
اعتراض بين جمل الدعوات المتعاطفة ، ومظهر هذه الدعوة هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه الرسول الذي هو من ذرية إبراهيم وإسماعيل كليهما ، وأما غيره من رسل غير العرب فليسوا من ذرية إسماعيل ، وشعيب من ذرية إبراهيم وليس من ذرية إسماعيل ، وهود وصالح هما من العرب العاربة فليسا من ذرية إبراهيم ولا من ذرية إسماعيل .
وجاء في التوراة ( في الإصحاح 17 من التكوين ) « ظهر الرب لإبرام أي إبراهيم » وقال له : أنا اللّه القدير سر أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا وفي فقرة 20 وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا » .
وذكر عبد الحق الإسلامي السبتي الذي كان يهوديا فأسلم هو وأولاده وأهله في سبتة وكان موجودا بها سنة 736 ست وثلاثين وسبعمائة في كتاب له سماه « الحسام المحدود في الرد على اليهود » : أن كلمة كثيرا جدا أصلها في النص العبراني « مادا مادا » وأنها رمز في التوراة لاسم محمد بحساب الجمّل لأن عدد حروف « مادا مادا » بحساب الجمّل عند اليهود تجمع عدد اثنين وتسعين وهو عدد حروف محمد ا ه وتبعه على هذا البقاعي في « نظم الدرر » .
ومعنى
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
يقرؤها عليهم قراءة تذكير ، وفي هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع . فالآيات جمع آية وهي الجملة من جمل القرآن ، سميت آية لدلالتها على صدق الرسول بمجموع ما فيها من دلالة صدور مثلها من أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وما نسجت عليه من نظم أعجز الناس عن الإتيان بمثله ، ولما اشتملت عليه من الدلالة القاطعة على توحيد اللّه وكمال صفاته دلالة لم تترك مسلكا للضلال في عقائد الأمة بحيث أمنت هذه الأمة من الإشراك ،
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبة حجة الوداع « إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا » .
وجيء بالمضارع في قوله :
يَتْلُوا
للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر تلاوته .