تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
فذلك وجه من وجوه الإعجاز .

الثالث :

أن يسمع اللاحقون من المؤمنين في وقت نزول القرآن ذكر القصة التي كانت فاتتهم مماثلتها قبل إسلامهم أو في مدة مغيبهم ، فإن تلقي القرآن عند نزوله أوقع في النفوس من تطلبه من حافظيه .

الرابع :

أن جمع المؤمنين جميع القرآن حفظا كان نادرا بل تجد البعض يحفظ بعض السور فيكون الذي حفظ إحدى السور التي ذكرت فيها قصة معينة عالما بتلك القصة . كعلم من حفظ سورة أخرى ذكرت فيها تلك القصة .

الخامس :

أن تلك القصص تختلف حكاية القصة الواحدة منها بأساليب مختلفة ويذكر في بعض حكاية القصة الواحدة ما لم يذكر في بعضها الآخر وذلك لأسباب : منها تجنب التطويل في الحكاية الواحدة فيقتصر على موضع العبرة منها في موضع ويذكر آخر في موضع آخر فيحصل من متفرق مواضعها في القرآن كمال القصة أو كمال المقصود منها ، وفي بعضها ما هو شرح لبعض . ومنها أن يكون بعض القصة المذكور في موضع مناسبا للحالة المقصودة من سامعيها ، ومن أجل ذلك تجد ذكرا لبعض القصة في موضع وتجد ذكرا لبعض آخر منها في موضع آخر لأن فيما يذكر منها مناسبة للسياق الذي سيقت له ، فإنها تارة تساق إلى المشركين ، وتارة إلى أهل الكتاب ، وتارة تساق إلى المؤمنين ، وتارة إلى كليهما ، وقد تساق للطائفة من هؤلاء في حالة خاصة ، ثم تساق إليها في حالة أخرى . وبذلك تتفاوت بالإطناب والإيجاز على حسب المقامات ، ألا ترى قصة بعث موسى كيف بسطت في سورة طه وسورة الشعراء ، وكيف أوجزت في آيتين في سورة الفرقان [ 35 ، 36 ] :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً
. ومنها أنه قد يقصد تارة التنبيه على خطأ المخاطبين فيما ينقلونه من تلك القصة ، وتارة لا يقصد ذلك . فهذه تحقيقات سمحت بها القريحة ، وربما كانت بعض معانيها في كلام السابقين غير صريحة .