تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
[ الحجر : 14 ، 15 ] . وفي حديث البخاري عن عمران بن حصين أن القوم عطشوا في سفر مع رسول اللّه فطلبوا الماء فوجدوا امرأة على بعير لها مزاداتان من ماء فأتيا بها رسول اللّه فسقى رسول اللّه جميع الجيش ثم رد إليها مزادتيها كاملتين فقالت لقومها : فو اللّه إنه لأسحر من بين هذه وهذه ، تعني السماء والأرض . وفي الحديث : « إن من البيان لسحرا » . ولم أر ما يدل على أن العرب كانوا يتعاطون السحر فإن السحر مستمد من خصائص الأمور الطبيعية والتركيب ولم يكن للعرب ضلاعة في الأمور اليدوية بل كانت ضلاعتهم فكرية محضة ، وكان العرب يزعمون أن أعلم الناس بالسحر اليهود والصابئة وهم أهل بابل ، ومساق الآية يدل على شهرة هؤلاء بالسحر عند العرب . وقد اعتقد المسلمون أن اليهود في يثرب سحروهم فلا يولد لهم فلذلك استبشروا لما ولد عبد اللّه بن الزبير وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة كما في « صحيح البخاري » ، ولذلك لم يكثر ذكر السحر بين العرب المسلمين إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة إذ قد كان فيها اليهود وكانوا يوهمون بأنهم يسحرون الناس . ويداوى من السحر العراف ودواء السحر السلوة وهي خرزات معروفة تحك في الماء ويشرب ماؤها . وورد في التوراة النهي عن السحر فهو معدود من خصال الشرك وقد وصفت التوراة به أهل الأصنام فقد جاء في سفر التثنية في الإصحاح 18 « إذا دخلت الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم لا يوجد فيك من يزج ابنه أو ابنته في النار ولا من يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقي رقية ولا من يسأل جانّا أو تابعة ولا من يستشير الموتى لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب » . وفي سفر اللاويين الإصحاح 20 « ( 6 ) والنفس التي تلتفت إلى الجان وإلى التوابع لتزني وراءهم أجعل وجهي ضد تلك النفس وأقطعها من شعبها ( 27 ) وإذا كان في رجل أو امرأة جانّ أو تابعة فإنه يقتل بالحجارة يرجمونه دمه عليه » . وكانوا يجعلونه أصلا دينيا لمخاطبة أرواح الموتى وتسخير الشياطين وشفاء الأمراض وقد استفحل أمره في بلد الكلدان وخلطوه بعلوم النجوم وعلم الطب . وأرجع المصريون المعارف السحرية إلى جملة العلوم الرياضية التي أفاضها عليهم « طوط » الذي يزعمون أنه إدريس وهو هرمس عند اليونان . وقد استخدم الكلدان