تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
التكليف بما علم اللّه عدم وقوعه ، على أن بعض أحوالهم قد تتغير فيكون للطماعية بعد ذلك حظ . واللام في قوله :
لَكُمْ
لتضمين
يُؤْمِنُوا
معنى يقرّوا وكأنّ فيه تلميحا إلى أن إيمانهم بصدق الرسول حاصل ولكنهم يكابرون ويجحدون على نحو قوله تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ *
[ البقرة : 146 ] الآية فما أبدع نسج القرآن . ويجوز حمل اللام على التعليل وجعل
يُؤْمِنُوا
منزّلا منزلة اللازم تعريضا بهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الذي جاءهم على ألسنة أنبيائهم وهم أخص الناس بهم أفتطمعون أن يعترفوا به لأجلكم . وقوله :
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ
جملة حالية هي قيد إنكار الطمع في إيمانهم فيكون قد علل هذا الإنكار بعلتين إحداهما بالتفريع على ما علمناه ، والثانية بالتقييد بما علّمناه . وقوله :
فَرِيقٌ مِنْهُمْ
يحتمل أن يريد من قومهم الأقدمين أومن الحاضرين في زمن نزول الآية . وسماعهم كلام اللّه على التقديرين هو سماع الوحي بواسطة الرسول إن كان الفريق من الذين كانوا زمن موسى أو بواسطة النقل إن كان من الذين جاءوا من بعده . أما سماع كلام اللّه مباشرة فلم يقع إلا لموسى عليه السلام . وأيّا ما كان فالمقصود بهذا الفريق جمع من علمائهم دون عامتهم . والتحريف أصله مصدر حرّف الشيء إذا مال به إلى الحرف وهو يقتضي الخروج عن جادة الطريق ، ولمّا شاع تشبيه الحق والصواب والرشد والمكارم بالجادة وبالصراط المستقيم شاع في عكسه تشبيه ما خالف ذلك بالانحراف وببينات الطريق . قال الأشتر :
بقّيت وفرى وانحرفت عن العلى * ولقيت أضيافي بوجه عبوس
ومن فروع هذا التشبيه قولهم : زاغ ، وحاد ومرق ، وألحد وقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
[ الحج : 11 ] . فالمراد بالتحريف إخراج الوحي والشريعة عما جاءت به ، إما بتبديل وهو قليل وإما بكتمان بعض وتناسيه وإما بالتأويل البعيد وهو أكثر أنواع التحريف . وقوله :
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
حال من
فَرِيقٌ
وهو قيد في القيد يعني يسمعونه ثم يعقلونه ثم يحرفونه وهم يعلمون أنهم يحرفون ، وأن قوما توارثوا هذه الصفة لا يطمع في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 550 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور