تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
ما وقعوا فيه . وقوله :
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
خاص بأجيال اليهود الذين اجترموا هذه الجريمة العظيمة سواء في ذلك من باشر القتل وأمر به ومن سكت عنه ولم ينصر الأنبياء . وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء بن أموص الذي كان حيا في منتصف القرن الثامن قبل المسيح ، قتله الملك منسى ملك اليهود سنة 700 قبل المسيح نشر نشرا على جذع شجرة . وأرمياء النبي الذي كان حيا في أواسط القرن السابع قبل المسيح وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه بالحجارة حتى قتلوه وفي ذلك خلاف . وزكرياء الأخير أبا يحيى قتله هيرودس العبراني ملك اليهود من قبل الرومان لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى ، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت هيرودس على يحيى . وقوله :
بِغَيْرِ الْحَقِّ
أي بدون وجه معتبر في شريعتهم فإن فيها :
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
[ المائدة : 32 ] فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دينهم لتخليد مذمتهم ، وإلا فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال ، وإنما قال ( الأنبياء ) لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ قال تعالى :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
[ غافر : 51 ] وقال :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ادعاء منافيا لحكمة الإرسال ولكن اللّه أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما أرسل إليه . وقوله :
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى نفس المشار إليه بذلك الأولى فيكون تكريرا للإشارة لزيادة تمييز المشار إليه حرصا على معرفته ، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة ولغضب اللّه تعالى عليهم ، والآية حينئذ من قبيل التكرير وهو مغن عن العطف مثل قوله تعالى :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
[ الأعراف : 179 ] . ويجوز أن يكون المشار إليه بذلك الثاني هو الكفر بآيات اللّه وقتلهم النبيئين فيكون ( ذلك ) إشارة إلى سبب ضرب الذلة إلخ فما بعد كلمة ( ذلك ) هو سبب السبب تنبيها على أن إدمان العاصي يفضي إلى التغلغل فيها والتنقل من أصغرها إلى أكبرها . والباء على الوجهين سببية على أصل معناها . ولا حاجة إلى جعل إحدى الباءين بمعنى مع علي تقدير جعل اسم الإشارة الثاني تكريرا للأول أخذا من كلام « الكشاف »