تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
[ يوسف : 52 ] لئلا يتوهم أن الحديث عن خائن معين تعني نفسها فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق . وانتصب الصالحات على المفعول به لعملوا على المعروف من كلام أئمة العربية وزعم ابن هشام في الباب السادس من « مغني اللبيب » أن مفعول الفعل إذا كان لا يوجد إلا بوجود فعله كان مفعولا مطلقا لا مفعولا به فنحو :
عَمِلُوا الصَّالِحاتِ
مفعول مطلق ونحو :
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ
[ العنكبوت : 44 ] كذلك ، واعتضد لذلك بأنّ ابن الحاجب في « شرح المفصل » زعم أن المفعول المطلق يكون جملة نحو قال زيد عمرو منطلق وكلام ابن هشام خطأ وكلام ابن الحاجب مثله ، وقد رده ابن هشام نفسه . والصواب أن المفعول المطلق هو مصدر فعله أو ما يجري مجراه . والجنات جمع جنة ، والجنة في الأصل فعلة من جنه إذا ستره نقلوه للمكان الذي تكاثرت أشجاره والتف بعضها ببعض حتى كثر ظلها وذلك من وسائل التنعم والترفه عند البشر قاطبة « 1 » لا سيما في بلد تغلب عليه الحرارة كبلاد العرب قال تعالى :
وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً
[ النبأ : 16 ] . والجري حقيقته سرعة شديدة في المشي ، ويطلق مجازا على سيل الماء سيلا متكررا متعاقبا وأحسن الماء ما كان جاريا غير قار لأنه يكون بذلك جديدا كلما اغترف منه شارب أو اغتسل مغتسل . والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح والنهر الأخدود الجاري فيه الماء على الأرض وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع ويكون كبيرا وصغيرا . وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة ولأن الناظر يرى منظرا بديعا وشيئا لذيذا . وأودع في النفوس حب ذلك فإما لأن اللّه تعالى أعد نعيم الصالحين في الجنة على
هامش
( 1 ) فإن الإنسان مجبول على حب المناظر الجميلة والميل لما يقاربه في الخلقة ، وفي الشجر جمال الشكل واللون وفيه أنس للنفوس لأن فيه حياة فناسب النفوس مثل التأنس بالحيوان والأنعام التي قال تعالى فيها :وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ[ النحل : 6 ] ففي مناظر الأشجار جمال يفوق جمال مناظر ما لا حياة فيه كالقصور والرياش .