تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
الصفات انعدم منه الفهم والإفهام وتعذر طمع رجوعه إلى رشد أو صواب . والرجوع الانصراف من مكان حلول ثان إلى مكان حلول أول وهو هنا مجاز في الإقلاع عن الكفر . [ 19 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 )
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
. عطف على التمثيل السابق وهو قوله :
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[ البقرة : 17 ] أعيد تشبيه حالهم بتمثيل آخر وبمراعاة أوصاف أخرى فهو تمثيل لحال المنافقين المختلطة بين جواذب ودوافع حين يجاذب نفوسهم جاذب الخير عند سماع مواعظ القرآن وإرشاده ، وجاذب الشر من أعراق النفوس والسخرية بالمسلمين ، بحال صيب من السماء اختلطت فيه غيوث وأنوار ومزعجات وأكدار ، جاء على طريقة بلغاء العرب في التفنن في التشبيه وهم يتنافسون فيه لا سيما التمثيلي منه وهي طريقة تدل على تمكن الواصف من التوصيف والتوسع فيه . وقد استقريت من استعمالهم فرأيتهم قد يسلكون طريقة عطف تشبيه على تشبيه كقول امرئ القيس في معلقته :
أصاح ترى برقا أريك وميضه * كلمع اليدين في حبيّ مكلّل
يضيء سناه أو مصابيح راهب * أمال السليط بالذّبال المفتّل
وقول لبيد في معلقته يصف راحلته :
فلها هباب في الزمام كأنها * صهباء خفّ مع الجنوب جهامها
أو ملمع وسقت لأحقب لاحه * طرد الفحول وضربها وكدامها « 1 »
وكثر أن يكون العطف في نحوه بأو دون الواو ، وأو موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء فيتولد منها معنى التسوية وربما سلكوا في إعادة التشبيه مسلك الاستفهام بالهمزة
هامش
( 1 ) الهباب - بكسر الهاء - مصدر كالهبوب وهو النهوض والنشاط . والصهباء : السحابة المائل لونها للسواد . والجهام : السحاب لا مطر فيه وهو خفيف السير . والملمع : التي استبان حملها ، وأراد الأتان ووسقت : حملت . والأحقب : هو حمار الوحش وقوله : لأحقب أي من أحقب . ولاحه : غيره . وطرد الفحول : خصامها . والكدام - بكسر الكاف - العض .