تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
تكن عمياء ، فهذا من الرأي المذموم لفساده .

ثالثها :

أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن على وفق رأيه ويصرفه عن المراد ويرغمه على تحمله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف ، فيجر شهادة القرآن لتقرير رأيه ويمنعه عن فهم القرآن حق فهمه ما قيّد عقله من التعصب ، عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير مذهبه حتى إن لمع له بارق حق وبدا له معنى يباين مذهبه حمل عليه شيطان التعصب حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك ، وهو خلاف معتقدك ؟ كمن يعتقد من الاستواء على العرش التمكن والاستقرار ، فإن خطر له أن معنى قوله تعالى :
الْقُدُّوسُ
[ الحشر : 23 ] أنه المنزه عن كل صفات المحدثات حجبه تقليده عن أن يتقرر ذلك في نفسه ، ولو تقرر لتوصل فهمه فيه إلى كشف معنى ثان أو ثالث ، ولكنه يسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته مذهبه . وجمود الطبع على الظاهر مانع من التوصل للغور . كذلك تفسير المعتزلة قوله :
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ القيامة : 23 ] بمعنى أنها تنتظر نعمة ربها على أن إلى واحد الآلاء مع ما في ذلك من الخروج عن الظاهر وعن المأثور وعن المقصود من الآية . وقالت البيانيّة في قوله تعالى :
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 138 ] إنه بيان ابن سمعان كبير مذهبهم « 1 » . وكانت المنصورية أصحاب أبي منصور الكسف « 2 » يزعمون أن المراد من قوله تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ
[ الطور : 44 ] أن الكسف إمامهم نازل من السماء ، وهذا إن صح عنهم ولم يكن من ملصقات أضدادهم فهو تبديل للقرآن ومروق عن الدين .

رابعها :

أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما في ذلك من التضييق على المتأولين .

خامسها :

أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة في التدبر والتأويل ونبذ التسرع
هامش
( 1 ) وهو بيان بن سمعان التميمي ، والبيانية من غلاة الشيعة ، يقولون بالحلول وبإلهية علي والحسن والحسين ومحمد بن الحنفية . صلب خالد بن عبد اللّه القسري بيانا هذا سنة 119 ه بالكوفة . ( 2 ) هو أبو منصور العجلي الملقب بالكشف - بكسر الكاف وسكون السين - زعم أنه خليفة الباقر وزعم أنه عرج إلى السماء وتلقى من اللّه الإذن بأن يبلغ عنه وأنه المراد بقوله تعالى :وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ[ الطور : 44 ] قتله يوسف بن عمر الثقفي أمير العراق بين سنة 120 و 126 ه .