تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
[ 14 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 14 ]

وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) عطف
وَإِذا لَقُوا
على ما عطف عليه :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا
[ البقرة : 12 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ
[ البقرة : 13 ] . والكلام في الظرفية والزمان سواء . والتقييد بقوله :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا
تمهيد لقوله :
وَإِذا خَلَوْا
فبذلك كان مفيدا فائدة زائدة على ما في قوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ
[ البقرة : 8 ] الآية فليس ما هنا تكرارا مع ما هناك ، لأن المقصود هنا وصف ما كانوا يعملون مع المؤمنين وإيهامهم أنهم منهم ولقائهم بوجوه الصادقين ، فإذا فارقوهم وخلصوا إلى قومهم وقادتهم خلعوا ثوب التستر وصرحوا بما يبطنون . ونكتة تقديم الظرف تقدمت في قوله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا
. ومعنى قولهم
آمَنَّا
أي كنا مؤمنين فالمراد من الإيمان في قولهم
آمَنَّا
الإيمان الشرعي الذي هو مجموع الأوصاف الاعتقادية والعلمية التي تقلب بها المؤمنون وعرفوا بها على حد قوله تعالى :
إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
[ الأعراف : 156 ] أي كنا على دين اليهودية فلا متعلق بقوله
آمَنَّا
حتى يحتاج لتوجيه حذفه أو تقديره ، أو أريد آمنا بما آمنتم به ، والأول أظهر ، ولقاؤهم الذين آمنوا هو حضورهم مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومجالس المؤمنين . ومعنى
قالُوا آمَنَّا
أظهروا أنهم مؤمنون بمجرد القول لا بعقد القلب ، أي نطقوا بكلمة الإسلام وغيرها مما يترجم عن الإيمان . وقوله :
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
معطوف على قوله :
وَإِذا لَقُوا
والمقصود هو هذا المعطوف وأما قوله :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا
فتمهيد له كما علمت ، وذلك ظاهر من السياق لأن كل أحد يعلم أن المقصود أنهم يقولون آمنا في حال استهزاء يصرّحون بقصده إذا خلوا بدليل أنه قد تقدم أنهم يأبون من الإيمان ويقولون :
أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ
[ البقرة : 13 ] إنكارا لذلك ، وواو العطف صالحة للدلالة على المعية وغيرها بحسب السياق وذلك أن السياق في بيان ما لهم من وجهين وجه مع المؤمنين ووجه مع قادتهم ، وإنما لم يجعل مضمون الجملة الثانية في صورة الحال كأن يقال قائلين لشياطينهم إذا خلوا ولم نحمل الواو في قوله :
وَإِذا خَلَوْا
على الحال ، أما الأول فلأن مضمون كلتا الجملتين لما كان صالحا لأن يعتبر صفة مستقلة دالة على النفاق قصد بالعطف
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 285 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور