تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
ولأن الاستعانة باللّه تتركب على كونه معبودا للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على الاستعانة في التعقل . وقد حصل من ذلك التقديم أيضا إيفاء حق فواصل السورة المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان . وأعيد لفظ
إِيَّاكَ
في الاستعانة دون أن يعطف فعل
نَسْتَعِينُ
على
نَعْبُدُ
مع أنهما مقصودان جميعا كما أنبأ عنه عطف الجملة على الجملة لأن بين الحصرين فرقا ، فالحصر في
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
حقيقي والقصر في
إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
ادعائي فإن المسلم قد يستعين غير اللّه تعالى كيف وقد قال تعالى :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
[ المائدة : 2 ] ولكنه لا يستعين في عظائم الأمور إلا باللّه ولا يعد الاستعانة حقيقة إلا الاستعانة باللّه تعالى . [ 6 ]
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
. تهيأ لأصحاب هذه المناجاة أن يسعوا إلى طلب حظوظهم الشريفة من الهداية بعد أن حمدوا اللّه ووصفوه بصفات الجلالة ثم أتبعوا ذلك بقولهم :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
الذي هو واسطة جامع بين تمجيد اللّه تعالى وبين إظهار العبودية وهي حظ العبد بأنه عابد ومستعين وأنه قاصر ذلك على اللّه تعالى ، فكان ذلك واسطة بين الثناء وبين الطلب ، حتى إذا ظنوا بربهم الإقبال عليهم ورجوا من فضله ، أفضوا إلى سؤال حظهم فقالوا :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
فهو حظ الطالبين خاصة لما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم ، فهذا هو التوجيه المناسب لكون الفاتحة بمنزلة الديباجة للكتاب الذي أنزل هدى للناس ورحمة فتتنزل هاته الجملة مما قبلها منزلة المقصد من الديباجة ، أو الموضوع من الخطبة ، أو التخلص من القصيدة ، ولاختلاف الجمل المتقدمة معها بالخبرية والإنشائية فصلت هذه عنهن ، وهذا أولى في التوجيه من جعلها جوابا لسؤال مقدر على ما ذهب إليه صاحب « الكشاف » . والهداية الدلالة بتلطف ولذلك خصت بالدلالة لما فيه خير المدلول لأن التلطف يناسب من أريد به الخير ، وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه لأن معناه معنى الإرشاد ، ويتعدى إلى المفعول الثاني وهو المهدى إليه بإلى وباللام والاستعمالان واردان ، تقول هديته إلى كذا على معنى أوصلته إلى معرفته ، وهديته لكذا على معنى أرشدته لأجل كذا :
فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ
[ الصافات : 23 ] ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا
[ الأعراف : 43 ]