تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وقرأ الجمهور ( ملك ) بفتح الميم وكسر اللام دون ألف ورويت هذه القراءة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحبيه أبي بكر وعمر في « كتاب الترمذي » . قال ابن عطية : حكى أبو علي عن بعض القراء أن أول من قرأ ( ملك يوم الدين ) مروان بن الحكم فرده أبو بكر بن السراج بأن الأخبار الواردة تبطل ذلك فلعل قائل ذلك أراد أنه أول من قرأ بها في بلد مخصوص . وأما قراءة ( مالك ) بألف بعد الميم بوزن اسم الفاعل فهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف ، ورويت عن عثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطلحة والزبير ، ورواها الترمذي في « كتابه » أنها قرأ بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحباه أيضا . وكلتاهما صحيحة ثابتة كما هو شأن القراءات المتواترة كما تقدم في المقدمة السادسة . وقد تصدى المفسرون والمحتجون للقراءات لبيان ما في كل من قراءة ( ملك ) - بدون ألف - وقراءة ( مالك ) - بالألف - من خصوصيات بحسب قصر النظر على مفهوم كلمة ملك ومفهوم كلمة ( مالك ) ، وغفلوا عن إضافة الكلمة إلى يوم الدين ، فأما والكلمة مضافة إلى يوم الدين فقد استويا في إفادة أنه المتصرف في شؤون ذلك اليوم دون شبهة مشارك . ولا محيص عن اعتبار التوسع في إضافة ( ملك ) أو ( مالك ) إلى ( يوم ) بتأويل شؤون يوم الدين . على أن ( مالك ) لغة في ( ملك ) ففي « القاموس » : « وكأمير وكتف وصاحب ذو الملك » . ويوم الدين يوم القيامة ، ومبدأ الدار الآخرة ، فالدين فيه بمعنى الجزاء ، قال الفند الزماني « 1 » :
فلما صرّح الشرّ * فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا * ن دنّاهم كما دانوا
أي جازيناهم على صنعهم كما صنعوا مشاكلة ، أو كما جازوا من قبل إذا كان اعتداؤهم ناشئا عن ثأر أيضا ، وهذا هو المعنى المتعين هنا وإن كان للدين إطلاقات كثيرة في كلام العرب .
هامش
( 1 ) الفند لقبه ، وأصل الفند بكسر الفاء الجبل ، واسمه شهل بن شيبان بشين معجمة وليس في أسماء العرب شهل بالشين المعجمة غيره ، وهو من شعراء حرب البسوس ، وإنما لقب الفند لأنه لما جاء لينصر بني بكر بن وائل قالوا ما يغني عنا هذا الهم - بكسر الهاء - أي الشيخ ، فقال لهم أما ترضون أن أكون لكم فندا تأوون إليه ؟ أي معقلا ومرجعا في الرأي والحرب . والزماني - بكسر الزاي وتشديد الميم - نسبة لقبيلة هم أبناء عم بني حنيفة .