تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وربّ عليه اللّه أحسن صنعه * وكان له على البرية ناصرا
وقال صاحب « الكشاف » ومن تابعه : إنه لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا أو لم يأتوا على ذلك بسند وقد رأيت أن الاستعمال بخلافه ، أما إطلاقه على كل من آلهتهم فلا مرية فيه كما قال غاوي بن ظالم أو عباس بن مرداس :
أربّ يبول الثّعلبان برأسه * لقد هان من بالت عليه الثعالب
وسموا العزى الرّبة . وجمعه على أرباب أدل دليل على إطلاقه على متعدد فكيف تصح دعوى تخصيص إطلاقه عندهم باللّه تعالى ؟ وأما إطلاقه مضافا أو متعلقا بخاص فظاهر وروده بكثرة نحو رب الدار ورب الفرس ورب بني فلان . وقد ورد الإطلاق في الإسلام أيضا حين حكى عن يوسف عليه السلام قوله :
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ
[ يوسف : 23 ] إذا كان الضمير راجعا إلى العزيز وكذا قوله :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ
[ يوسف : 39 ] فهذا إطلاق للرب مضافا وغير مضاف على غير اللّه تعالى في الإسلام لأن اللفظ عربي أطلق في الإسلام ، وليس يوسف أطلق هذا اللفظ بل أطلق مرادفه فلو لم يصح التعبير بهذا اللفظ عن المعنى الذي عبر به يوسف لكان في غيره من ألفاظ العربية معدل ، إنما ورد في الحديث النهي عن أن يقول أحد لسيده ربي وليقل سيدي ، وهو نهي كراهة للتأديب ولذلك خص النهي بما إذا كان المضاف إليه ممن يعبد عرفا كأسماء الناس لدفع تهمة الإشراك وقطع دابره وجوزوا أن يقول رب الدابة ورب الدار ، وأما بالإطلاق فالكراهة أشد فلا يقل أحد للملك ونحوه هذا رب . و ( العالمين ) جمع عالم قالوا ولم يجمع فاعل هذا الجمع إلا في لفظين عالم وياسم ، اسم للزهر المعروف بالياسمين ، قيل جمعوه على ياسمون وياسمين قال الأعشى :
وقابلنا الجلّ والياسم * ون والمسمعات وقصّابها
والعالم الجنس من أجناس الموجودات ، وقد بنته العرب على وزن فاعل بفتح العين مشتقا من العلم أو من العلامة لأن كل جنس له تميز عن غيره فهو له علامة ، أو هو سبب العلم به فلا يختلط بغيره . وهذا البناء مختص بالدلالة على الآلة غالبا كخاتم وقالب وطابع فجعلوا العوالم لكونها كالآلة للعلم بالصانع ، أو العلم بالحقائق . ولقد أبدع العرب في هذه اللطيفة إذ بنوا اسم جنس الحوادث على وزن فاعل لهذه النكتة ، ولقد أبدعوا إذ جمعوه جمع العقلاء مع أن منه ما ليس بعاقل تغليبا للعاقل .