تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
الجميل . قال أمية ابن أبي الصلت يمدح عبد اللّه بن جدعان :
أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه عن تعرّضه الثّناء
فكان افتتاح الكلام بالتحميد سنة الكتاب المجيد لكل بليغ مجيد ، فلم يزل المسلمون من يومئذ يلقّبون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد بالأبتر أخذا من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد للّه أو بالحمد فهو أقطع » « 1 » . وقد لقبت خطبة زياد ابن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد ، وكانت سورة الفاتحة لذلك منزّلة من القرآن منزلة الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة ، ولذلك شأن مهم في صناعة الإنشاء فإن تقديم المقدمة بين يدي المقصود أعود للأفهام وأدعى لوعيها . و ( الحمد ) هو الثناء على الجميل أي الوصف الجميل الاختياري فعلا كان كالكرم وإغاثة الملهوف أم غيره كالشجاعة . وقد جعلوا الثناء جنسا للحمد فهو أعم منه ولا يكون ضده . فالثناء الذكر بخير مطلقا وشذ من قال يستعمل الثناء في الذكر مطلقا ولو بشرّ ، ونسبا إلى ابن القطاع « 2 » وغرّه في ذلك ما ورد في الحديث وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار » وإنما هو مجاز دعت إليه المشاكلة اللفظية والتعريض بأن من كان متكلما في مسلم فليتكلم بثناء أو ليدع ، فسمّى ذكرهم بالشر ثناء تنبيها على ذلك . وأما الذي يستعمل في الخير والشر فهو النثاء بتقديم النون وهو في الشر أكثر كما قيل . وأما المدح فقد اختلف فيه فذهب الجمهور إلى أن المدح أعم من الحمد فإنه يكون على الوصف الاختياري وغيره . وقال صاحب « الكشاف » الحمد والمدح أخوان فقيل أراد أخوان في الاشتقاق الكبير نحو جبذ وجذب ، وإن ذلك اصطلاح له في « الكشاف » في معنى أخوة اللفظين لئلا يلزم من ظاهر كلامه أن المدح يطلق على الثناء على الجميل الاختياري ، لكن هذا فهم غير مستقيم والذي عليه المحققون من شراح « الكشاف » أنه أراد
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في « سننه » باللفظ الأول ، ورواه أبو داود في « سننه » باللفظ الثاني وهو حديث حسن . ( 2 ) هو علي بن جعفر السعدي بن سعد بن مالك من بني تميم الصقلي ، ولد بصقلية سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ، ورحل إلى القاهرة وتوفي بها سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة وخمسمائة .