الخامس :
ما
في « سنن الترمذي والنسائي » عن عبد اللّه بن مغفل قال : صليت مع النبي وأبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يقول : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) ، إذا أنت صليت فقل
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
.
السادس -
وهو الحاسم - : عمل أهل المدينة ، فإن المسجد النبوي من وقت نزول الوحي إلى زمن مالك صلى فيه رسول اللّه والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى وراءهم الصحابة وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) في الصلاة الجهرية ، وهل يقول عالم أن بعض السورة جهر وبعضها سر ، فقد حصل التواتر بأن النبي والخلفاء لم يجهروا بها في الجهرية ، فدل على أنها ليست من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها .
وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة في بدء الوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو معتبر مرفوعا إلى النبي ، وذلك
قوله : « ففجئه الملك فقال : اقرأ قال رسول اللّه فقلت ما أنا بقارئ - إلى أن قال - فغطني الثالثة ثم قال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
[ العلق :
1 ] الحديث . فلم يقل فقال ليبسم اللّه الرحمن الرحيم
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
، وقد ذكروا هذا في تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي .
وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول فيه على مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة ، وذلك يوجب أن يتكرر لفظان وهما
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كلام غير طويل ليس بينهما فصل كثير وذلك مما لا يحمد في باب البلاغة ، وهذا الاستدلال نقله الإمام الرازي في « تفسيره » وأجاب عنه بقوله : إن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحمانا رحيما من أعظم المهمات . وأنا أدفع جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل التهويل ، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي ، إلا أن الفاتحة لا مناسبة لها بأغراض التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحمانا رحيما ، ولأن شأن التوكيد اللفظي أن يقترن فيه اللفظان بلا فصل فتعين أنه تكرير اللفظ في الكلام لوجود مقتضى التعبير عن مدلوله بطريق الاسم الظاهر دون الضمير ، وذلك مشروط بأن يبعد ما بين المكرّرين بعدا يقصيه عن السمع ، وقد علمت أنهم عدوا في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار ، والقرب بين الرحمن والرحيم حين كررا يمنع ذلك .
وأجاب البيضاوي بأن نكتة التكرير هنا هي تعليل استحقاق الحمد ، فقال السلكوتي