حلوله
كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 98 ) انقضاء آجالهم
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ
بما لم يشأه اللّه منهم
حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 99 ) لا
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
بإرادته
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ
العذاب
شرح
يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل ، فلما دعوا كشفه اللّه عنهم ، وقال قتادة : قدر ميل ، وقال سعيد بن جبير : غشى قوم يونس العذاب ، كما يغشى الثوب الغبر ، وقال وهب : غامت السماء غيما أسود هائلا ، يدخن دخانا شديدا ، فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت أسطحتهم ، فلما رأوا العذاب أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا نبيهم يونس فلم يجدوه ، فقذف اللّه في قلوبهم التوبة ، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، ولبسوا المسوح ، وأظهروا الإيمان والتوبة ، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب ، فحن البعض للبعض ، فحنت الأولاد إلى الأمهات ، والأمهات إلى الأولاد ، وعلت الأصوات ، ولجئوا جميعا إلى اللّه تعالى ، وتضرعوا إليه وقالوا آمنا بما جاء به يونس ، وتابوا إلى اللّه وأخلصوا النية ، فرحمهم ربهم واستجاب دعاءهم ، وكشف ما نزل بهم من العذاب بعد ما أظلهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، وكان يوم الجمعة ، قال ابن مسعود : بلغ من توبتهم ، أنهم ردوا المظالم فيما بينهم ، حتى أنه كان الرجل يأتي إلى الحجر ، وقد وضع عليه أساس بنائه فيقلعه فيرده ، وروى الطبراني بسنده قال : لما غشي قوم يونس العذاب ، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له : إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ قال :
قولوا يا حي حين لا حي ، ويا حي يحيي الموتى ، ويا حي لا إله إلا أنت . فقالوها فكشف اللّه عنهم العذاب ، ومتعوا إلى حين ، وقال الفضيل بن عياض : إنهم قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت ، وأنت أعظم وأجل ، فافعل بنا ما أنت أهله ، ولا تفعل بنا ما نحن أهله ، فلما خرج يونس جعل ينتظر العذاب ، فلم ير شيئا ، فقيل له : ارجع إلى قومك ، قال : وكيف أرجع إليهم فيجدوني كذابا ؟ وكان كل من كذب ولا بينة له قتل ، فانصرف عنهم مغاضبا فنزل في سفينة فلما بلغت وسط البحر وقفت ، وكان من عادتهم أن السفينة لا تقف إلا إذا كان فيها عبد أبق ، فضربوا القرعة فخرجت على يونس ، فألقوه في البحر فالتقمه الحوت ، فنادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك ، إن كنت من الظالمين ، فاستجاب اللّه نداءه ، وأخرجه من بطن الحوت ضعيفا فأنبت اللّه عليه شجر القرع ، ورجع إلى قومه وكانوا يزيدون عن مائة الف ، ففرحوا به وأحبوه وآمنوا به ، فهنيئا لمن رجع إلى مولاه ، وندم على ما جناه فإن اللّه يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات . قوله : ( انقضاء آجالهم ) تفسير للحين ، ودفع بذلك ما قيل : إن قوم يونس من المنظرين لا يموتون إلا عند النفخة الأولى ، فأجاب المفسر : بأن معنى الحين انقضاء آجالهم .
قوله :وَلَوْ شاءَ رَبُّكَمفعول شاء محذوف ، أي إيمان جميع الناس . قوله :كُلُّهُمْتوكيد لمن ، وجَمِيعاًحال منها ، والمعنى لو أراد اللّه إيمان من في الأرض لآمنوا كلهم ، حال كونهم مجتمعين . قوله :أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَالهمزة داخلة على محذوف ، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير أتحزن على عدم إيمانهم وتتأسف عليه ، أفأنت تكره إلخ . قوله : ( لا ) أي لست بمكره للناس على الإيمان ، والمعنى ليس عليك إلا البلاغ ، لا خلق الإيمان في قلوبهم وإكراههم عليه ، فإن الأمر للّه لا خالق سواه .
قوله :وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ، إلخ ، بيان وتعليل لما قبله ، والمعنى ما ثبت لنفس من الأنفس