الغالب أن يكون قدر طول الجنين وغلظه كغلظ الخنصر ، وهو مركب من ثلاثة أوعية سرية ووريد وشريانين وجوهر آخر هلافي الشكل منفعته أن يضم هذه الأوعية إلى بعضها ، فالوريد غلطة قدر غلط الشريانين معا ، وهو آت من الوريد الأجوف السفلي للجنين ، وبعد أن يستطرق في بطن الجنين بالوريد الباب والأوردة الكبدية يخرج من السرة ويتفرع في الوجه الجنيني للمشيمة ، وهذا الوريد لكونه خاليا عن الصمامات ينبغي أن يعتبر كزائدة شعاعية للجنين والشريانان زائدان عن الشريانان الحرقفيين للجنين ، ويأتيان أيضا متفرعين في السطح الجنيني والجوهر الهلامي الشكل يصاحب الأوعية إلى تفاريعها في المشيمة ، ثم إن الحبيل السري مستتر من المظاهر بالسلى و « الأمنيوس » ، وقمة المثانة في الأجنة ذوات الثدي مستطرقة بقناة يشاهد أثرها في الجسم البشري ، وهي في الأجنة البشرية على هيئة رباط ينضم للأوعية السرية ويخرج معها من السرة وينتهي بالكيس الموضوع بين السلى و « الأمنيوس » ، وهذا الكيس هو الحوصلة التي تسهل مشاهدتها في أجنة بعض الحيوانات غير أنها قليلة الظهور في الأجنة البشرية .
« المسألة الثانية » في قوله تعالى : إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا
.
والمراد كونه في الرحم إلى وقت الولادة ، وذلك الوقت معلوم لله تعالى وحده لا لغيره ، كقوله جل من قائل :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ . . .
إلى قوله :
وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ
[ لقمان : الآية 34 ] . وأما قوله :
فَقَدَرْنا
. فقرأ نافع وعبد اللّه بن عامر بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف ، أما التشدد فالمعنى : أنا قدرنا ذلك تقديرا فنعم المقدّرون له نحن ، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
( 19 ) [ عبس : الآية 19 ] . ولأن إيقاع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدّر على المخلوق ، فحسن ذكره في موضع ذكر المنة والنعمة ، ومن طعن في هذه القراءة قال : لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال : فقدرنا فنعم المقدّرون . وأجيب عنه بأن العرب قد تجمع بين اللغتين ، قال تعالى :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
( 17 ) [ الطّارق : الآية 17 ] وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان :
( الأول ) :
إنه من القدرة ، أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا فنعم القادرون حيث خلقناه في أحسن الصور والهيئات .