( أحدها ) : أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل درى ؛ لأنه يدرؤه أي يدفعه ، واختلفوا في قوله :
النَّجْمُ الثَّاقِبُ
( 3 ) [ الطّارق : الآية 3 ] . قال بعضهم : أشير به إلى جماعة النجوم كما قلنا : فقيل : الطارق كما قال :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
( 2 ) [ العصر : الآية 2 ] .
( تنبيه ) :
اعلم أن الطارق في الأصل اسم فاعل من طرق طرقا وطروقا إذا جاء ليلا ، قال الماوردي : وأصل الطرق الدق ومنه سمية المطرقة ، وإنما سمي قاصد الليل طارقا لاحتياجه إلى طرق الباب غالبا ، ثم اتسع في كل ما ظهر بالليل كأن ما كان ، ثم أشبع في التوسع حتى أطلق على الصور الخالية البادية بالليل قال :
طرق الخيال ولا كليلة مدلج * سرنا بأرحلنا ولم نتبرج
والمراد هنا النجوم البادية بالليل ، وقوله تعالى :
وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ
( 2 ) [ الطّارق :
الآية 2 ] . تنويه بشأنه أثر تفخيمه بالأقسام به ، وتنبيه على أن رفعة قدره بحيث لا ينالها إدراك الخلق فلا بد من تلقيها من الخلاق العليم ، فما الأولى مبتدأ وإدراك خبر ، والثانية خبر والطارق مبتدأ حسبما بين في نظائره أي : أي شيء أعلمك ما الطارق وقوله تعالى :
النَّجْمُ الثَّاقِبُ
( 3 ) [ الطّارق : الآية 3 ] . خبر مبتدأ محذوف ، والجملة اسئناف ، وقع جوابا عن استفهام نشأ مما قبله ما هو فقيل النجم المضيء في الغاية كأنه يثقب الظلام أو الأفلاك بضوئه وينفذ فيها ، والمراد به الجنس ، وهذا الجنس : هو مجموع النجوم الثوابت المسماة بالشموس ، ثم الإشارة إلى أن ذلك الوصف غير كاشف عن كنه أمره ، وإن ذلك مما لا تبلغه أفكار الخلائق ، ثم في تفسيره بالنجم الثاقب من تعظيم شأنه ، وإجلال محله ما لا يخفى ، وعلماء الهيئة قالوا : إن النجوم الثواقب هي كواكب مضيئة بذاتها متناسبة البعد مع بعضها وأقربها إلينا هو قد ما بيننا وبين الشمس بمائة ألف مرة ، ومنها ما يكون غير ممكن حساب مسافته لبعده عنا ، وقد حسب بعضهم الضوء الواصل إلينا منها ، والقاطع في كل ثانية أبلغ من سبعين ألف فرسخ ، كل فرسخ ثلاثة أميال فوجده لا يصل إلينا إلا في أبلغ من ثلاث سنوات ، ولا حصر لعدد النجوم الثوابت ، ولا يمكن أن نرصد منها بمجرد البصر إلا نحو أربعة آلاف ، ويمكن بالاستعانة بالآلات أن يعد منها جملة آلاف ألوف .
( في بيان قوله تعالى : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 32 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
( 33 ) )
قوله تعالى
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً
[ الأنبياء : الآية 32 ] فيه مسائل :